السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

الهاتف المحمول نجم إعلامي يقرر المادة الصحافية

  • استطاع الهاتف المحمول أن يكون نقطة تحول فارقة في الإعلام نظرا لوصوله إلى جمهور عريض من المستخدمين بمن فيهم غير الملمين بالتقنيات الحديثة، وتحول كل مواطن إلى مراسل وشاهد إثبات للأحداث والحروب والموت والقمع، من خلال كاميرا هاتفه.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/03/15، العدد: 10215، ص(18)]

القوة الإعلامية انتقلت اليوم إلى أياد جديدة

يعتبر الهاتف الجوال اليوم أخطر اللاعبين الجدد في القرن الحادي والعشرين، ففي جيله الثالث صار وسيلة لنقل البث التلفزيوني، كما أن التلفزيون صار وسيلة لعرض رسائل الهاتف القصيرة، وانطلقت محطات تلفزيونية خصيصا لخدمة الجوال للاستفادة من عائدات الرسائل وبعضها أكثر من عائدات الإعلانات التجارية، وصارت بعض شركات الهاتف في العالم من أكبر ملاك وسائل الإعلام.

ويطرح الإعلاميون سؤالا طالما حيرهم؛ لماذا تصمت الحكومات على هيمنة شركات الاتصال؟ أحد الأسباب أنها مثل من حاول سد تسرب مياه السد بإصبعه. فالسد على وشك الانهيار وهي تعرف هذا! كما أن الحافز المالي هو الذي يدفع الحكومات إلى السكوت والصبر على خدمات الإعلام الجديد رغم ما تحمله الهواتف من رسائل، والمواقع من نقد، والبريد من تأليب.

ويتجلى الدافع الرئيسي للتسامح الرسمي في المبالغ الهائلة التي تجنيها شركات الهاتف الحكومية، أو الخاصة التي تمول الحكومات بأموال صارت تمثل المصدر الثاني بعد النفط.

وتؤكد الأحداث العربية الأخيرة أن “تقنية الاحتجاجات” التي نشأت مؤخرا من كاميرات الهاتف المحمول وحتى شبكات التواصل الاجتماعي تغير سلوك الناس في ظل الحروب والفوضى والقمع والاستبداد.

وقبل صعود هذه التقنية كان على الأفراد أن يتحملوا طغيان الأنظمة المستبدة، لأنه لم تكن تتوفر لهم سوى أدوات قليلة لتنظيم الاحتشادات الجماهيرية دون تفادي الكشف عنها. وبكل بساطة كان المواطن العادي يفتقر إلى الأدوات الضرورية ليتفوق على حاكمه من حيث الدهاء.

ثورة الاتصالات وفرت حيزا اجتماعيا وسياسيا للتعبئة وهو الحيز الذي ليس بوسع الحاكم السيطرة عليه

وجاءت نقطة التحول البارزة في عام 1983 عندما أطلقت شركة (موتورولا) الأميركية، هاتفها المحمول، الذي لم يكن مجرد هاتف فحسب، وإنما هو يحمل في بطنه كمبيوترا وتلفزيونا وجريدة ومكتبة ومفكرة شخصية، وبطاقة ائتمان في نفس الوقت، ومتجرا للفيديو والموسيقى، ذلك لمن يملك الجيل الثالث من أنظمة الاتصالات.

ويجري الحديث عن مستويات غير مسبوقة من النفاذ إلى ذهن أكثر من ثلثي سكان العالم، مع وجود نحو 6 مليارات من البشر متسلحين بالهواتف الجوالة، وبغض النظر عن المنظور الذي يتم النظر إليه، سواء أكان تجاريا أو غيره، فإن هذا لا يعتبر أمرا صغيرا.

وتبرز أهم التأثيرات الرئيسية للهاتف المحمول، في قدرته على تضمين ودمج الناس في الدول الأقل نموا في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وهم عادة أميون جزئيا، ولم يمتلكوا أبدا فى حياتهم وسائل لشراء كمبيوتر، ولم تصل لهم حتى الآن شبكات تقليدية لهواتف الخط الأرضي ! وهو ما نلاحظه في بعض الدول بين سكان عشوائيات المدن والريف حيث الأمية، بينما ينتشر المحمول بين أيادي الجميع، مثلما أصبح أيضا شاهد إثبات للأحداث والحروب والموت والقمع.

سمحت تقنية الهاتف المحمول البسيط لكل إنسان أن يصبح مراسلا متمكنا يذيع أشرطة الفيديو وينشر الصور ويروي حكايات عما تمارسه الأنظمة من قمع، إلى الناس في جميع أنحاء العالم. وبمعنى آخر، فإن معظم الصور التي التقطت بكاميرات هواتف محمولة، وجدت طريقها إلى المواقع الإلكترونية، كفيسبوك ومواقع أخرى، ونجح مرتادوها في اختراقها رغم حجبها، وأظهرت للعالم أحداثًا ما كان ليتمكن من مشاهدتها قبل التطور الهائل في ثورة الاتصالات. ووفرت حيزا اجتماعيا وسياسيا للتعبئة وهو الحيز الذي ليس بوسع الحاكم السيطرة عليه.

وكانت صحافة المواطن من الوسائل الجديدة المتسمة بالتفاعلية والفورية، التي كان لها حضور متميز في تغطية الانتخابات الإيرانية التي جرت في يونيو 2009، إذ منحت لجنة تحكيم جائزة (ورلد برس فوتو) للصورة الصحافية لعام 2009 لصورة كانت قد أخذت عن شريط فيديو بث على موقع يوتيوب، يظهر الطالبة ندى أغا سلطان التي قتلت في 20 يونيو في أحد شوارع طهران خلال تظاهرات تلت الانتخابات الرئاسية.

تقنية الهاتف المحمول البسيط سمحت لكل إنسان أن يصبح مراسلا متمكنا يذيع أشرطة الفيديو وينشر الصور ويروي حكايات عما تمارسه الأنظمة من قمع

وقال المنظمون إن المشهد الذي التقطه أحد الهواة لعب دورا أساسيا في تغطية الأحداث. وأصبحت ندى أغا سلطان رمزا عالميا للمعارضة الإيرانية، بعد أن نشرت صورها في العالم وهي تنزف حتى الموت في إحدى التظاهرات التي حصلت في طهران.

وأثارت أحداث أخرى غضب العالم، كالشريط الذي بثته القناة الثانية الإسرائيلية والذي أظهر مستوطنا من”كريات أربع” في الخليل وهو يدهس شابا فلسطينيا اتهم بمهاجمة مستوطنتين. وأظهر الشريط المصور قيام السائق وهو زوج إحدى المستوطنتين بدهس الفلسطيني، ثم الرجوع عليه ودهسه ثانية على الرغم من أن طواقم الإسعاف كانت تعالجه بعد أن أطلق جندي النار عليه.

كما أن تغطية السياح لكارثة تسونامي بكاميراتهم الشخصية شكلت نقطة تحول جوهرية، حولت الناس من مجرد مشاهدين متابعين للحدث إلى مشاركين في صنع الأخبار، وهو ما يعد نقلة نوعية في مجال الإعلام. وكان مشهد أحد ضباط الدفاع المدني وهو يسجل على يده أرقام الاتصال بعدد من أقارب الضحايا بسبب عدم وجود ورقة وقلم، ليقوم بعد ذلك بتصوير يده وتحميلها على شبكة الإنترنت ونشرها، قد أسهم في لم شمل العشرات من العائلات والأسر بفضل اعتماد أساليب غير تقليدية في الإخبار ونقل المعلومات.

ودون شك سيكون الهاتف الجوال هو النجم الإعلامي الأول الذي يقرر المادة الإعلامية من ناحية أهميتها وسرعتها، وهو المؤهل لأن ينشئ جيشا من المواطنين الصحافيين. فقد انتقلت القوة الإعلامية اليوم إلى أياد جديدة؛ هي أيادي المواطنين الذين يمتلكون إمكانية الاتصال، والتقاط الصور والفيديوهات، وتحرير الأخبار، وتزويد المواقع بالأخبار، وفضح المواقف والأحداث التي لا يمكن تصديقها من الجمهور إلا عن طريق الهاتف الجوال..تقنية المستقبل!

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر