الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

أنا أنا.. ولكن الأرض اختلفت

يا نبع الخصوبة والعشق.. يا نخلا يعلو ويا حلاوة تمر وعنفوان.. أنا أنتِ منذ بدء الخليقة حتى سقط رأسي على ترابك فكبرتُ بهاءً وشربتُ ماءً نميرا.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/03/16، العدد: 10216، ص(21)]

ينتفضُ الغصن وتعلو صيحات العصافير.. ليس انفجارا.. لكنه زعيق يشقّ الصدر من وجع قديم يتجدد كلما تناهى لسمعي صوتُ إطلاق نار بعيد.. أو كلما تلألأت في السماء ألعابٌ ناريّة تنعشُ ذاكرة القذائف أو دوّي صوت إسعاف يحيي في بالي رعبَ صفارات الإنذار..

من لي أن أكنسَ عني الحروبَ وأنفضَ ما تراكم من شظايا تزاحم سطوتها كريات دمي وتسري في العروق؟.. من لي أن أسير في الشوارع دون توجّسٍ من عبوة ناسفة؟.. من لي أن أنام عند شبابيك من خضرة وبحر دون خشية من زجاج تهشّمه مفخخة لصيقة؟.. من لي أن أوقف نزفَ الروح حين تطلّ صورة طفلٍ من بلادي؟..

هاهي البلاد الغريبة تزخرُ بألوانها وحمائمها وأنا اُحاول أن أتجمّل مستعيرة مساحيقها عسى أن أتشبّه بما فيها.. وأردّد بيني وبيني “أنا في بيتي!”.. وبرغم أني لست في بيتي.. بيد أني أدمنت تكرارها مثل تميمة حظ مباركة علّ مساميّ تتشرب بها لأصدق إيحائي فيحدث أن أكون كما يجب أن أكون..

أعتنق تصديقي بحاضري واُصلي إيمانا بما سيحلّ بي من هطول ثريّ.. هكذا مثل رياضة صباحية يومية وطقوس نوم ليليّ دائم أفرشُ أمامي أوراقَ أيامٍ تاليات.. وأصعّر خدّي عن ماضٍ سحيق سحقَ عمري منذ غضاضته وحتى آخر خطّ من تجاعيده المحتملة.. أستعيذ بحاضري من مغبـّةِ الخوضِ في عتمةِ أمسي.. وأسحبُ بعمقٍ أشعة شمسٍ ساطعة.. فيملأ التجلّي رئات ترقبي.. وأجهدُ وأنا أحاول أن أزفرَ عني حروبا طالت..

أعلم تماما بأن لا شيء يمكن أن يخطّ آثاره فوق أديمنا سوى ما نـُصرُّ أن نغرقَ في وُحُوله.. ولا شيءَ يغزو ببياضه لون مفارقنا سوى أعلام الاستسلام.. هكذا أتعمّـد أن أرفعَ راياتي الفيروزية تمردا واقتدارا.. وأشهرُ تشبّثي بألقي إذ أقود حملاتي المستميتة لأغسل عني شوائب الدم والخذلان.. وإذ لا خيار سوى أن نحيا.. فلن نموتَ بجرّة يأس…

اُعدّ على مسبحتي أسماء الراحلين خرزة خرزة.. فيحضرون ويتجمهرون حولي ليغدو وجودهم حقيقة لا لبس فيها.. نبتدئ طقوسنا معا.. ومعا نشرب بياضنا نخب تلك الأرض.. لك الله يا أرضي! يا نبع الخصوبة والعشق.. يا نخلا يعلو ويا حلاوة تمر وعنفوان.. أنا أنتِ منذ بدء الخليقة حتى سقط رأسي على ترابك فكبرتُ بهاء وشربتُ ماءً نميرا من فراتيْكِ رغم أنف الحروب.. أنا ابنة ملكوتِ عشقكِ وأول من تهجّى حرفا وكتبَ نبضا وأورق حضارة وزها نخيلا..

ها أنا ذي أزرعُـني في رحم أرضٍ أخرى فأنبتُ أملا رغم ارتباكي وأورق.. أطرحُ فاكهتي وأتساقط رطبا يهنأ به غيرُ أهلي.. واُصرّ أنني ابنة تلك الأرض التي سقاها مطرُ تلك السماء.. هي تدري أنني لم أعد هناك بجذعي لكنني هناك.. أمهلـُني بعض الصبر لأستعيدَني.. وأمهلُ الآخرين بعض التقبـّل كي أواصل المسير.. أهمّ بالدخول إلى تلك العوالم وأنا أتلو آيات الأمل والمحبة.. أضع يديّ في أيدي راحليّ الحاضرين.. وأستعينُ بإلهٍ يُخرج فرحي الحيّ من جثة حزني.. ويضيءُ مشكاة روحي من زيت شجرته المباركة.. ثم أصلي خاشعة لآلهة العشق.. فبه ومنه يبتدئ الجمال ولا ينتهي.. به ومنه أنهل عافيتي وأواصل ما ابتدأ به أهلي منذ أول التاريخ وحتى آخر الأنفاس..

صباحكم أرض طيبة..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر