السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

أخطاء روائية

المتن الروائي الطويل شيء شبيه بالجسد الفارع المكتنز دونما ترهل، حيث الوفرة في محلها الفاتن، والذي سرعان ما تتهدده التشوهات كما تعلق الأمر بحشو.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/03/16، العدد: 10216، ص(15)]

لفت انتباهي وأنا أقرأ الرواية الأولى للشاعر المغربي إدريس الملياني تلك الرغبة اللاعجة في الإطالة، وتمحل الإطناب دونما مسوغات سردية، تارة بالانسياق وراء الفضفضة اللغوية، وتارة بتضمين نصوص لا مبرر لها، كذلك النص الطويل المقتبس من “سفر اللاويين” الذي أورده مباشرة بعد سرد واقعة تناول شخصيتين يهوديتين لطعامهما “الكاشير” (الحلال) على متن الطائرة.

ومن مرتكزات الصنعة الروائية القدرة على تحويل الاسترسال الطويل الذي قد يمتد في مجلدات إلى متن تخييلي موجز ومكثف ودقيق، لا يمكن اختصاره أو تقليص مساحته الورقية واللفظية، حيث يتجلى بوصفه بناء دراميا متساندا حافلا بالمعنى، من هنا قد لا يتجلى أي تعارض بين الإطناب السردي والاقتصاد اللغوي، ما دامت الرواية تمثيلا مفتوحا لشخوص وأحداث وحيوات ممتدة عبر أزمنة وأجيال، وما دام السفر الروائي لا يفتأ يتنقل بين أمكنة ومدن وجغرافيات قد تتجاوز الكون الواقعي إلى الافتراضي والمفارق.

المتن الروائي الطويل -عزيزي القارئ- شيء شبيه بالجسد الفارع المكتنز دونما ترهل، حيث الوفرة في محلها الفاتن، والذي سرعان ما تتهدده التشوهات كما تعلق الأمر بحشو وتزيد في القول وتمحل للإطالة، كتلك التي تتأتى من تضمين الوقائع التاريخية، في الروايات المستلهمة للتاريخ، أو من الاستعراض اللغوي الكثيف والملغز داخل الروايات المراهنة على الشاعرية والعمق الغنائي، أو ببساطة في تلك الأحداث المفتعلة والشخصيات الزائدة التي تتجلى في روايات المغامرات ذات العمق الواقعي بتنويعاتها المختلفة.

لهذا يبدو من المفيد جدا، حين يتجاوز الروائي عتبة الثلاثمئة صفحة في عمل من أعماله، أن يطرحه على مراجع، قبل أن يدفع به للناشر، مراجع يكون من مهامه ضبط منطق الحبكة، ومراجعة أسماء الشخصيات، ومساراتهم، وتدقيق بعض المعلومات التاريخية، والاستعمالات اللغوية، فقد يحدث أن يسند اسم شخصية ما إلى أخرى بعد تلاحق الفصول، كما أن واقعة ما تنسب لشخصيتين مختلفتين، وتختفي فضاءات وتظهر أخرى، وتتبدل أسماء وصفات، وتنقلب ضمائر… وهو أمر بات يتكرر في العديد من الإصدارات الروائية العربية في السنوات الأخيرة، يحضرني هنا مثالان شهيران لم يتجاوزا معا عتبة المائتي صفحة، أولها في رواية “حيوات متجاورة” لمحمد برادة حين تبدل اسم شخصية رئيسية في أحد مقاطع الفصل الأخير من عبدالموجود الوارثي إلى عبدالواحد الوارثي، والثاني في رواية “هرة سيكيردا” لرشيد الضعيف، حيث تحولت شخصية سوسا، في إحدى الفقرات العابرة، من خادمة فلبينية إلى خادمة حبشية، وقد علق بذهني هذان المثالان، لأن الأمر يتعلق بكاتبين متحققين، ممن لا يمكن التشكيك في كفاءتهما وقيمتهما، بينما تناسيت عشرات الأمثلة الأخرى لمبتدئين وهواة ومجربين عابرين ممن بدأت تستهويهم لعبة الاسترسال الروائي بتحبير المئات الصفحات.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر