الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

علا الأيوبي ترسم جغرافية الوجه في لوحات الألم السوري

  • احتضنت قاعة “تجلّيات” الفنية في وسط مدينة بيروت معرضا للفنانة السورية علا الأيوبي، التي أكدت مرة أخرى على أن الحرب أو الأزمات الإنسانية تلعب دورا مباشرا في صهر معدن الفنان، وبالتالي تساهم في إعادة تشكيل نصه الفني من دون أن تقصيه عن النفحة الشخصية التي تميز بها، وأعلنت عن حضورها في معارضه الفنية السابقة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/17، العدد: 10217، ص(16)]

الوجه هو اللوحة

بيروت – لم تغادر التشكيلية السورية علا الأيوبي في معرضها الأخير المعنون بـ”الفاكهة الفردوسية” المقام حاليا بقاعة “تجلّيات” البيروتية، رسم الوجوه والشخوص بأسلوب الواقعية الانطباعية، إذ تبنّت هذا النوع من الرسم منذ بداية مسيرتها الفنية، بعد أن تمكنت من دراسته وتعّلم أسرار إتقانه في معهد إسماعيل للفنون في دمشق، وذلك إلى جانب دراستها الجامعية لمادة الرياضيات في كلية العلوم.

كل من شاهد لوحات الفنانة الأولى سيدهشه التطور السريع والنضج الفني اللذان ظهـرا في لوحاتهـا الأخيرة، أي تلـك التي حققتهـا منـذ بدايـات الثــورة الســوريـة. وإذا كانت لوحاتهــا السابقـة تحمـل هــمّ المــرأة وانشغالاتها الـوجودية والعاطفية بقليل مــن السـذاجـــة فـي الأسلـوب والمضمـون على السواء، فلـوحاتـهـا الحــديثــة هـي غـايـة في الابتكـار والبـراعـة الفنيـة في التعبيـر.

لا يزال عالم المرأة وهمومها حاضرا في لوحاتها الحديثة، ولكنه مشغول بشكل أفضل وفيه الكثير من العمق والأساليب الفنية المناسبة للمواضيع التي تطرحها، أما أكثر ما يميز المعالجة الجديدة للمواضيع المطروحة فهو الحسّ الشمولي الذي ينضح من الأعمال والذي لا يمكن أن يكون حاضرا في أي لوحة كانت إلاّ كنتيجة لنضج شخصي وفني، وصفاء بصيرة لدى الفنان وهو أمام لوحته وهي قيد التشكيل.

مفردات للتعبير

نعثر في لوحات علا الأيوبي على الكثير من الزخارف والمنمقات البصرية المشغولة بعناية كبيرة، كما نعثر على تفاصيل تشبه تعريشات تمدّ أغصانها في فضاء الشخوص ووجوهها.

تعريشات، تشبه أغصان الأشجار الأكثر دقة، تقوم أحيانا بزخرفة الخلفيات الملونة واللصيقة بالشخوص، وأحيانا أخرى تساهم في تحديد ملامح المرأة المرسومة في لوحتها.

وتدخل الأيوبي أيضا إلى لوحتها أشكالا هندسية من جميع الأصناف، فتغني اللوحة وتقيم توازنا حكيما في ما بينها وبين التموجات والخطوط الإنسيابية التي تعجّ بها لوحتها.
الفنانة استخدمت تقنية الكولاج لتبرز وتختزل مقتطفات منمنمة من صور المدن وواقعية مشاهدها

هنا تماما يظهر تميّز لوحة الفنانة، إذ تنشغل هذه الزخارف والمزركشات، والتفاصيل الملونة بغير همّ التزيين، فهي مفردات للتعبير تساهم مساهمة محورية في تشكيل وصقل الأفكار المطروحة وإقامة الجسور في ما بينها. لأجل ذلك لا يمكن بأي شكل من الأشكال تصنيف عمل الفنانة أنه تزيني، أي ما يسمى بـ”الفن الديكوراتيف” وهذه “تهمة” وردت على لسان بعض المتحاملين على ما يستسيغون تسميته “بالفن النسوي”.

رمان لا يؤكل

رمّان علا الأيوبي غير قابل للأكل، إنه جملة من المواقف الوجودية متباينة الحدّة. تظهر حبة الرمان في بعض اللوحات وكأنها قنابل عنقودية، كما في اللوحة التي تبدو فيها امرأة جالسة وبين يديها رمانة مشحونة، ربما لم يستطع نزع فتيل تفجيرها إلاّ هدوء المرأة القابضة عليها.

ونذكر أيضا في هذا الباب، اللوحة التي تظهر فيها امرأة تحمل فنجانا أحمر اللون يذكّر بحبّة الرمان، فنجان يكاد أن يصل إلى شفتي المرأة، ولكن فقط بعد أن بات، بسحر أصابعها، شرابا سائغا لا ضرر فيه.

لكل حبّة رمان في لوحة الفنانة دور مختلف، إلا قابليتها للأكل حتى عندما تصبغ الشفاه وتتناولها الأصابع كما تُتناول الثمرات الشهية. فهي، أي الثمرة الحمراء، إمّا محرضة على عمل ما، وإما محوّلة لمسار ما، وإما مبدّلة لحال ما. ويبرز هذا جليا حينما ترسم الفنانة الرمانة أما مكتملة مغلقة على سرها، وإما منتشرة كرشح غرائبي في وسط اللوحة، وإما وصولا إلى هوامشها.

رمان علا الأيوبي غير قابل لـلأكـل، إنـه جملـة مـن المـواقــف الوجوديــة متبـــاينة الحدة

ليست رمانة علا الأيوبي رمّانة فردوسية، رغم أن عنوان المعرض هو “الفاكهة الفردوسية”، حتى أن الرمان الأزرق الذي قيل عنه تاريخيا إنه يرمز إلى الموت أو البرودة، قد فقد صفاته تلك أمام رهبة النساء المتشبعات حتى التخمة بألق الحياة وحسيّتها.

تذكّر وجوه الفنانة علا الأيوبي بتلك المشاهد التي تُرى من على متن طيارة، مشاهد، لا بل وجوه تحتضن جغرافية البلد المأزوم، وفي هذه الحالة سوريا. وجوه تتبدل مَشاهدها كلما اقتربنا أو ابتعدنا عنها، ولكنها تظل مشاهد حميمية ملوّنة بشغف.

الوجه هو اللوحة، وما اللوحة إلاّ حاضنة للمدن السورية المنهوبة، المدن التي يمكن رؤية تفاصيلها الحقيقية من طرقات ضيقة، وجسور، ومنازل وناس البلد، ومشربيات وقناطر وأضواء مصابيح، وقد استخدمت الفنانة تقنية الكولاج لتبرز وتختزل مقتطفات منمنمة من صور المدن وواقعية مشاهدها.

وفي المقابل يأتي العنصر التشكيلي الذي تبدو عبره الوجوه كحاوية للمدن السورية وهمومها المتراكمة، هو، ومن دون منازع، العيون، عيون النسوة. عيون برموش طويلة تشبه نوافذ مُشرفة على ما هو خارج الوجه-المدن، أي العالم بأسره، ونوافذ ذات جفون عميقة لا رموش لها، تطل على ما هو داخل الوجه، وما بداخله إلاّ القلب وما يختلج فيه من مشاعر.

وجه علا الأيوبي هو دمشق المدينة، ولكنه أيضا باقي المدن العربية التي لا يُقفل لها جفن ولا تُهدر لها دمعة، تماما كما في بعض لوحات الفنانة، حيث تتحجر الدموع المنهمرة لتتحول إلى قناطر صيفية تتأهب لاستقبال الشمس.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر