الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

عزلة الكائن في الأرحام

إذا كان لا بد من صورة لكي 'يتفرج' عليها الزائرون، فلتكن صورة عن المولود الجديد الذي نجح في اجتيازه للمخاطر الطبيعية التي لا بد أن يكون تعرض لواحدة منها في مغامرة التكوين الشيقة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/17، العدد: 10217، ص(16)]

منذ عدة سنوات ولدى زيارتي لإحدى الصديقات بغية تهنئتها بمولودها الجديد، وقع نظري على صورة صغيرة جدا بالأسود والأبيض موضوعة في إطار مذهب على طاولة الصالون، عندها انتبه إلي أحد الوالدين وأنا أحاول تبيان ماهية الصورة، فسارع قائلا وبفخر “إنها صورة صوتية له”.

له، أي للطفل المُحتفى به وهو لا يزال في أحشاء والدته، إنه الطفل الذي سمعت صوت بكائه قادما من الغرفة المجاورة. يومها أصابتني برودة عجيبة وأنا أمعن النظر في الصورة لأتفحص هذا الضئيل والساطع، والمُتشح بظلمة الأحشاء، والمنغلق على ذاته في محاولة بطولية لاستيعاب فكرة وصوله الوشيك إلى هذا العالم المشبع بهشاشة الفرح الإنساني.

لكي لا أثير استغراب الوالدين، قطعت ذهولي قائلة “صورة جميلة جدا، ألف مبروك”، غير أن الوالد واصل، قائلا “تمكن العلم ليس فقط من تحقيق صورة جليّة جدا، بل أجاز تسجيل تحرك الجنين في فيلم فيديو، ومن ثم أخذ نسخة عنه كي يتفرج عليه أهل البيت وزواره”.

“يا للروعة” وددت أن أقول، ولكنني غرقت أكثر في أفكاري وعدت إلى التمعّن بالصورة حائرة ما بين وجوب رسم ابتسامة على وجهي وبين “الهول” الذي شعرت به أمام صورة خرجت عن ضرورتها الطبية، فأصبحت خرقا سافرا لوحدة البشريّ وهو في تكوينه الأول.

أمسكت على مضض بالصورة التي ناولني إياها الوالد وتمنيت لو استطعت أن أقول له “كيف لي أو لسواي الكثر من الذين جاؤوا إلى المنزل، مهنئين صادقين، أو متملقين غير مكترثين أن يلقوا ولو نظرة خاطفة على هذا الذي لا يملكه أحد، هذا الحُرّ بالفطرة والسريّ المنغلق على صمته، والمتكتم على خواطره والمثابر على اجتياز مصاعب التكوين”.

اليوم، عادت بي الذاكرة إلى تلك الزيارة وأنا أقرأ خبرا عن اختراع ياباني لآلة يمكن أن تصنع نسخة ثلاثية الأبعاد عن الطفل وهو جنين، لا يزال قيد التكوين في رحم أمه. أُرفق هذا الخبر بصورة للمخترع الياباني واقفا أمام الشاشة التي تظهر صورة صوتية للجنين، وفي يديه مجسم له عاجيّ اللون.

يُسهب الخبر بهذه الإضافات “أصبح بإمكان الأهل الذين ينتظرون ولادة طفلهم أن يهدأوا.. إذ فُتح لهم الباب أمام فرصة لقاء الجنين قبل اكتماله، الطريقة بسيطة من الناحية التقنية، وتقوم على تحويل صورة الموجات ما فوق الصوتية إلى ما يشبه التمثال الصغير من أجل الاحتفاظ به كتذكار”، ويضيف الخبر أن هذا الاختراع بدأ يقدم نماذج عديدة حسب طلب الأهل على شكل سلسلة مفاتيح أو زينة للهاتف المحمول.

الأفظع من هذا الاختراع هو امتصاص الكثيرين له، كما يمتص الجسد السمّ البطيء.

إذا كان لا بد من صورة لكي “يتفرج” عليها الزائرون، فلتكن صورة عن المولود الجديد الذي نجح في اجتيازه للمخاطر الطبيعية التي لا بد أن يكون تعرض لواحدة منها في مغامرة التكوين الشيقة، أو فلتكن صورة عن لوحة كتلك التي رسمها الفنان “كوبكا” وتحمل اسم “أصل الحياة”، لوحة حاول فيها الفنان الربط ما بين اكتشافات عصره العلمية وقناعاته الروحية.

رفع الفنان في هذه اللوحة من مقام المُتكون في غبطة وحدته، جنين قرير العين في فلك مستنير يُضيء الكون الذي يكتنزه، يتشقلب في خواطره السرية ليعوم في شفافية مؤثرة منبثقة من الماء الدافق الذي يتغذى منه.

التقيت بصاحب الصورة الصوتية منذ حوالي شهر، وكم كان لا يشبه صورته بشيء! حدّة في الطباع وجلافة حيال الوالدين.

قد يتحوّل صاحب مُجسّم تذكاري آخر، أو بطل “سلسلة مفاتيح” غير ابن الصديقة، إلى إنسان نبيل. حينها وأغلب الظن، سيقف متسمرا أمام مجسمه العاجيّ، وسيتساءل حول هذا الذي لا، أو لم يعد يشبهه.

عندئذ ستتحول النقمة إلى الآلة اللعينة التي تجرأت وبعثرت الغموض السحري الذي أحاط بأولى نبضاته، سيصدق حينها قول الروائي ميلان كانديرا “تخيل الهلع الذي سيصيبك لدى رؤيتك وجهك لأول مرة، ستقرّ بأن عليك الاعتراف بما عاندت دوما تصديقه: وجهك ليس أنت”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر