السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

الأوبئة تعصف بالإنسان أرضا وسماء في فيلم 'الناقل'

  • أحداث فيلم “الناقل” تنقلنا إلى عالم عصفت به الأوبئة وتحطمت الحياة فيه، فيما الناجون ينازعون من أجل البقاء لكن المفارقة أنهم عالقون في الجو يبحثون عن بقعة آمنة للهبوط عليها، ذلك ما يقدمه لنا المخرج البريطاني الشاب أنتوني ويدلي في هذا الفيلم.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/03/21، العدد: 10221، ص(16)]

فاجعة مغلفة بلمسة إنسانية

عالم يفقد بالتدريج ذلك الإحساس الآمن، حيث تتصدع إرادات بشرية وتهوي في المقابل قدرة المرء على الاستمرار والمطاولة في نوع من الإعياء الجمعي الذي يصيب البشرية فجأة، يتحول الناس إلى فريقين، ناجون وموبوءون، وما بينهما هنالك قوات تطبيق الحجر الصحي وصولا إلى تصفية المصابين فورا، لضمان عدم نقل العدوى إلى الناجين، وعلى وقع هذه التراجيديا تمضي أحداث هذا الفيلم للمخرج أنتوني ويدلي (إنتاج 2015).

منذ المشاهد الأولى سنشهد فصول تلك الجائحة مغلفة بلمسة إنسانية، أمّ تسابق الزمن لغرض أن تلتحق بزوجها الطيار لكي يأخذ ابنهما الصغير معه للنجاة من الوباء، وفيما الأم تخفي كونها مصابة بالوباء تتلقى رصاصة تنهي وجودها، ويمضي الصبي إلى المجهول. حدثان متوازيان ينسجهما المخرج وكتاب السيناريو على طول المسار الفيلمي، أحداث تجري على الأرض وأخرى في السماء، هناك على متن إحدى الطائرات، حيث يصل الوباء إلى بعض ركابها.

من دون رحمة يتولى إيريك (الممثل جو ديكسون) وهو أحد مساعدي القبطان مهمة فرز المصابين عما سواهم، بل إنه لا يتورع عن الإجهاز على أي مصاب بمنتهى الوحشية وصولا إلى القتل، ثم هناك الطيار (الممثل أموند كنغسلي) إلى جانب سبعة من الناجين يواجهون حقيقة وجود الوباء على متن الطائرة من جهة، ومحاولة الهبوط على أرض غير موبوءة من جهة أخرى.

المغامرات غير المتوقعة تبدو في بعض الأحيان أقل قدرة على الإقناع، الطيار يغازل قائدة طائرة شقراء ينتهي بها المطاف إلى الانتحار برصاصة في الرأس، يبدو ذلك غير متوقع في مسار السرد الدرامي، وفي نفس الوقت الأداء غير المقنع لأولئك المنتفخة وجوههم من جراء الوباء، أهم كائنات زومبي أو فرنكشتاين، ولهذا يجهزون على غير المصابين؟

حاول المخرج نسج علاقات تعاطف بين الأفراد الناجين، نوع من الشراكة في المحنة بدت طريفة ومبررة، ولكنها لم تقلل من كثرة المكائد والدسائس، مساعد القبطان مثلا يتعمد تخريب منظومات الكهرباء المخفية في الطائرة حتى توشك على الانفجار أو السقوط الفوري، فيما كان ناج آخر ومن ضمن الطاقم يقوم بعملية قطع ذراع شخص مصاب، هذه المجريات في السرد الفيلمي سعت إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بث حياة في تلك الدراما التي تهبط أحيانا إلى مستوى رتيب، لا جديد فيه.

المخرج حاول نسج علاقات تعاطف بين الأفراد الناجين، ولكنها لم تقلل من كثرة المكائد والدسائس بينهم

ثمة نزاع أمرّ وأدهى في المقابل على الأرض خلال النصف الثاني من تلك الدراما، مواجهات بين ناجين ومصابين وكلها لن تتعدى مدرج الطائرات، وهنا يحاول المصابون بأي طريقة الصعود على متن الطائرة للنجاة بأنفسهم حتى يقيم الطيار حفلة إعدام جماعية لحشد من المصابين، وصولا إلى آخر إطلاقة في مسدسه بعدما هبطت الطائرة بسلام، لتفقد عددا من ركابها الناجين حتى لا يبقى سوى الطيار الذي لن ينتظر حتى من فتح له مسار التحليق ليقلع وحيدا، تاركا زملاءه في محنتهم.

المكان الأرضي الممثل في مدرج المطار وجوف الطائرة شكلا مكانين أساسيين في الدائرة المكانية في هذا الفيلم، وكان كل منهما كفيلا بتجاوز رتابة الأحداث التي تقع في الأخير، محاولة للتنويع المكاني لا أكثر، أما عدا ذلك، فنحن إزاء فقر مكاني واضح ربما فرضته الميزانية المحدودة للفيلم، حتى يمكننا عده من بين الأفلام قليلة التكلفة، قلة في عدد الشخصيات في مقابل قلة في الأماكن.

شخصية البطل المغامر تتمثل مرارا في هذا الفيلم، طيار ذو قدرات استثنائية فريدة، ينقذ الطائرة من السقوط ثم يصفي خصومه تباعا بدم بارد، ليس مهما قطرات الدم على قميصه وهو يعود أدراجه هاربا بطائرته بعيدا عن بيئة موبوءة، متخليا عن الآخرين وضامنا سلامته هو فحسب، غير آبه بمن ساهموا أصلا في إنقاذه.

هذه الدراما الفيلمية المبنية على فكرة تكررت في العديد من أفلام الخيال العلمي من خلال موضوع الأوبئة التي تفتك بالوجود الإنساني المستقبلي برمته، ربما لا تأتي بجديد في الظاهر سواء من ناحية الحبكة والأحداث، لكن الميزة التي أخرجت هذا الفيلم من النمطية هي فكرة الطائرة وما جرى على متنها من تحولات، من دونها لن يمتلك الفيلم عناصر تميز كثيرة.

ويبدو في المقابل، أن الطائرة كما أنقذت القبطان المغامر الجريء من الموت، فإنها أيضا أنقذت الدراما الفيلمية من الرتابة والترهل، وأججت نوعا من التنويع في الأحداث الفيلمية، الأمر الذي منحنا متعة مشاهدة لفيلم مصنوع ببساطة وتكلفة محدودة، لكن أحداثه لم تفقد أهميتها على طول المسار الفيلمي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر