الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

معارك وحروب صغيرة لطوائف ومماليك في مصر

قضية وزير العدل المعزول الزند تلخص سياسة طبقية لم تنجح ثورة 25 يناير 2011 في 'القضاء' عليها، هذه الطبقية تواصل 'القضاء' على ما تبقى من الثورة في ظل تحالفات اليمين بأطيافه.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/03/22، العدد: 10222، ص(9)]

منذ وقت مبكر اقتربت كثيرا من جيل الستينات الأدبي في مصر، ولم يكن صعبا أن أكتشف منذ وقت مبكر أنه أشبه بتنظيم عصابي، بالمعنيين النفسي والشللي، إذ يؤمن كل فرد بأنه الأفضل، ولا يحتمل أيا من أبناء جيله بجواره، ولكنه لا يسمح لأحد بالنيل من الجيل، أو انتقاد عضو في التنظيم، مع استمرار غيرة تبلغ أحيانا درجة الكراهية، بما يقترب من القول “أكره ابن جيلي، وأرفض من يقول: آمين”. هذه بعض سمات الطوائف والمماليك في رغبة كل تجمع منهم في الدفاع عن مصالحه، والاحتفاظ بمكاسبه، والمطالبة بنصيبه في السلطة، وهو ما اتضح في رد فعل غاضب لبعض القضاة، بعد ضجة سبقت إقالة وزير العدل أحمد الزند، ثم تلاها هدوء نسبي، حرصا على استمرار منافع لا تجدي معها المكابرة، والتمسك بمن “سقط”.

سجل أبوحنيفة أحمد بن داود الدينوري في كتابه “الأخبار الطوال” واقعة ذات دلالة. كان عمرو بن سعيد بن العاص يرفض البيعة لعبدالملك بن مروان، ثم اتفقا على اقتسام “الملك”، وأن تكون الخلافة لعبدالملك، ومن بعده لعمرو. كتبا بذلك كتابا، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام، ثم غدر عبدالملك بعمرو “فأُخذ، فأضجع، وذبح ذبحا، ولف في بساط. وأحس أصحاب عمرو بذلك، وهم بالباب، فتنادوا، فأخذ عبدالملك خمسمئة صرة، قد هيئت، وجُعل في كل صرة ألفا درهم، فأمر بها، فأصعِدت إلى أعلى القصر، فألقيت إلى أصحاب عمرو بن سعيد مع رأس عمرو، فترك أصحابه الرأس ملقى، وأخذوا المال، وتفرقوا. فلما أصبح عبدالملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلا، فضرب أعناقهم، وهرب الباقون، فلحقوا بعبدالله بن الزبير”.

واقعة أصحاب عمرو بن سعيد تنطبق على القضاة، مع الانتباه إلى اختلافات يفرضها فارق الزمن وارتباط المصالح برمز في قوة ابن مروان، أما جماعة المثقفين فهي بعيدة عن ذلك المثال ومحيرة أيضا. ففي الأشهر الأخيرة صدرت بحق ثلاثة كتاب ثلاثة أحكام قضائية تتنافى مع العقل والعصر، وتكاد حيثياتها تهين من كتبها. في ديسمبر 2015 حكم على الباحث إسلام بحيري بالحبس لمدة عام، بتهمة اسمها ازدراء الأديان، وفي يناير 2016 وبالاتهام نفسه حكم على الكاتبة فاطمة ناعوت بالحبس ثلاث سنوات، وتغريمها 20 ألف جنيه، وفي فبراير 2016 صدر حكم قضائي أيضا بحبس الكاتب أحمد ناجي عامين، بتهمة خدش الحياء العام، عقابا له على نشره فصلا من رواية في صحيفة رسمية في أغسطس 2014.

تتشابه حيثيات الأحكام الثلاثة، وكان الحكم الأول بحبس إسلام بحيري خمس سنوات جرس إنذار، لم ينذر أحدا، ثم خفف إلى سنة، وسط تساؤلات ولا مبالاة أحيانا من مثقفين لا يستبعد أي منهم أن يناله الاتهام نفسه، إذ تضمنت حيثيات الحكم “التلصص” على ما يبديه بحيري من آراء في صفحته على فيسبوك وفي الندوات العامة فضلا عن برنامجه التلفزيوني. ولكن بعض الأصوات أفصح عما في النفوس بأنه “أرعن” و“مغرور”، بما يعني أن العقوبة مستحقة، مع أن الحيثيات لم تشر إلى رعونة أو غرور إنما إلى أسباب يسهل أن توجه لآخرين تنقصهم الرعونة والغرور والشجاعة أيضا.

أما فاطمة ناعوت فعوقبت على كتابة جملة في تويتر أو فيسبوك عن حلم الخليل إبراهيم الذي أدى إلى مشهد الذبح الجماعي للخراف في عيد الأضحى، وحين انتقدها البعض على وصف الرؤيا النبوية بأنها كابوس سارعت إلى الاعتذار، وكان يفترض أن ينتهي الأمر؛ فالله يحب التوابين، ولكن الحكم صدر وسط صمت ثقافي، يقطعه صوت شامت هنا أو هناك، بأنها تستحق السجن، لأنها من مؤيدي عبدالفتاح السيسي.

رد الفعل السابق تعبير عن ازدواجية، فالمبدأ يمكن أن يتجزأ، بل يجب أن يقبل القسمة على “مواقف” من وقع عليه حكم القضاء، بدلا من رفض مبدأ الحبس في “جرائم” الرأي، ما لم يتضمن تحريضا على عنف أو يدعو إلى عنصرية، وهي جريمة يتفق فيها الإخوان منذ حسن البنا، والسلفيون ولسانهم القبيح ياسر برهامي الذي لا يتورع عن وصف المسيحيين بالكفار، ويحرّم إلقاء السلام حتى على الزوجة المسيحية.

لا يحظى بحيري وفاطمة بأصدقاء يواصلون الإلحاح على الدفاع عن عدالة قضيتيهما مثلما هو الحال مع قضية ناجي، ففي وقت قياسي أجمع كثيرون على مخالفة الحكم القضائي الأخير للدستور، ووقع البيان خمسة من وزراء الثقافة المصريين السابقين، منهم أزهريان (صابر عرب وعبدالواحد النبوي)، فضلا عن أبرز رجال فاروق حسني، وقد كتبت عنه في “العرب” (20 يونيو 2014) تحت عنوان “جابر عصفور.. موظف يمارس التنوير الانتقائي”. كان فاروق حسني رمزا لما يمكن أن يطمح إليه مملوك حمله ذكاؤه للصعود والاحتفاظ بمنصبه 23 عاما، ولم يكن لمثله أن يخرج إلا بثورة.

أما قضية وزير العدل المعزول الزند فتلخص سياسة طبقية لم تنجح ثورة 25 يناير 2011 في “القضاء” عليها، هذه الطبقية تواصل “القضاء” على ما تبقى من الثورة، في ظل تحالفات اليمين بأطيافه. ولم يكن عزله بعد التصريح الأخير، الذي هدد فيه بحبس أي شخص يخطئ في حقه “حتى لو كان نبيا”، إلا إرضاء لليمين الديني، وتخلصا من رجل صار عبئا على نظام تغاضى عن أخطائه، ومنها تصريح طبقي عُزل بسبب سلفه محفوظ صابر.

للزند سلسلة غير ذهبية من تصريحات - خطايا يهون إلى جوارها تصريحه الأخير. في نهاية حكم حسني مبارك حث على تعديل قانون السلطة القضائية ليتيح لأبناء القضاة أن يرثوا آباءهم، ولو كانوا حاصلين على تقدير “مقبول”، على حساب أكفاء موهوبين حاصلين على “ممتاز” و“جيد جدا”، واعتبر هذا الاستثناء مكافأة للقضاة. ولا يخفي الرجل انحيازه لنظام المخلوع مبارك، وعداءه لثورة طالبت بالعدالة، وحين طالب أوائل الخريجين بحقهم في الالتحاق بالنيابة، وصفهم بأنهم “غوغاء، حاقدون”. وفي عهد محمد مرسي دعا إلى شنق رموز “الثورة المضادة” في الميادين، وهو تصريح سادي يتنافى مع حقيقة أن مثل هذا الإجراء لن يردع، بل سيؤدي إلى اعتياد رؤية القتل والدماء، فلا تثير مشاعر أحد. أما الجريمة التي لم يعاقب عليها فهي الدعوة إلى ثأر جاهلي لا يصدر من وزير، قائلا إن الشهداء الذين قتلهم الإرهابيون “لا يكفينا فيهم 400 ألف إرهابي”، وأقسم أن نار قلبه لن تنطفئ إلا إذا قتل في مقابل “كل شهيد 10 آلاف من الإخوان ومن معهم”، ثم حرض على معاقبة الأبوين إذا اتهم ابنهما بارتكاب الإرهاب. وإذا كان تصريحه بخصوص “حبس نبي” خطأ وزلة لسان اعتذر عنها، فإن التصريحات السابقة خطايا سياسة وقضائية.

بعد تصريح الزند الأخير، وإثارة القضية على نطاق واسع، والضغط لإقالته، نشط مجلس القضاء الأعلى للإبقاء على الرجل، وبعضهم استقال من عمله الإداري كمساعد للوزير المعزول، وحين تأكدت لهم جدية الأمر عادوا إلى الهدوء، فعمرو بن سعيد طويت صفحته، والحي أبقى من الزند.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر