الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

اللغو الثقافي

اللغو ظاهرة موجودة في كل ثقافات الدنيا، غير أنه في البنى الدكتاتورية يغدو محتلا ساحة الخطاب والفن ويعلن عن نفسه صورة الانحطاط الكلي.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/03/22، العدد: 10222، ص(14)]

ليس اللغو من اللغة بل من لغا يلغو، وهو القول الخالي من الفائدة، وأضاف المعجم إلى معانيه: الباطل، أو ما يجري من أقوال بحكم عادات الكلام. غير أن خطاب اللغو هو أكثر من هذا وإن كان ينطوي على القول الذي لا معنى له.

ففي خطاب اللغو لا نكون أمام “سوالف العوام” ولا أحاديث السمر في المقاهي والحانات، ولا اللغو في الأَيْمان، بل أمام خطاب للناس صادر عن وعي من صاحبه مع درايته أن خطابه هو خطاب لغو أو عند صاحبه ظن بأن خطابه ليس لغوا.

دعوني أعرف خطاب اللغو بأنه “كل خطاب يؤدي إلى اغتيال الحقيقة وإهانة العقل والاعتداء على الذوق الجمالي، قصد صاحبه إلى ذلك أم لم يقصد”.

والحق أنه في اللحظات التاريخية الكبرى التي تؤسس قطيعة مع الحاضر أو مع ماضٍ قريب، في سيرورة التحولات الجذرية، والانقلابات العاصفة، غالبا ما ينكشف خطاب اللغو انكشافاً كاملاً، بوصفه خطاب القوى المنهارة أو المحافظة أو المرائية أو الثورية الطفولية، أو التطفلية، إذ لا يمكن للصراع إلا أن يحمل مثقف الوسخ التاريخي، أو سياسي هذا الوسخ للوقوف ضد عقل التاريخ وسيرورته، فيعمد خطاب اللغو إلى طمس حقيقة الواقع والحديث عن عالم آخر ليس موجوداً إلا في الذهن، فمنذ الثورة السورية وحتى الآن تحول الخطاب الإعلامي للجماعة الحاكمة في دمشق، كما الخطاب السياسي إلى لغو مطلق، فالثورة تتحول إلى مؤامرة، والكفاح إلى إرهاب، والقمع الوحشي إلى فرض الأمن، والمظاهرات إلى تجمعات بسيطة، وفقدان السيادة إلى إرادة وطنية، وأهداف الشعب المشروعة إلى أزمة، وهكذا.

وخطاب اللغو اغتيال للعقل واعتداء على عقل الآخر، فالعقل اللاغي يساوي بين عقله وعقل الآخر فيظن أن المتلقي ذو عقل مطابق للغوه، فيسحب وعيه بوجوده الزائف على وجود الآخرين لتكتمل دائرة وجوده الذاتي الزائف.

ولا يصدر عن هذا العقل المعتدي خطاب اللغو فقط، بل وكل أشكال الوعي الزائف بما في ذلك الوعي الجمالي الزائف الذي هو لغو جمالي.

أجل إن اللغو الجمالي، سواء كان شعرا، أو لوحة، أو أغنية، إنما هو اغتراب الجمال عن ماهيته، ماهية الجمالي التي تحدث ارتقاء وسموا ومتعة لدى المتلقي، فينحط الشعري إلى القول المبتذل والمباشر، وتتحول اللوحة إلى محاكاة تعكس بؤس الانحطاط، وتصير الأغنية همروجة تخاطب غرائز لم تمسها الثقافة وبخاصة غرائز القتل، كما هو حال لغو الأغاني التي يجهر بها فنانو الميليشيات مترافقة مع الراية الصفراء المرصعة بالبندقية، أو مع الراية السوداء المرصعة بكتابة ما قبل التنقيط.

ولا شك بأن تاريخ إفساد اللغو الجمالي مرتبط ارتباطا شديدا بالدكتاتورية والعسكرتارية والطائفية. واللغو الجمالي هو جزء لا يتجزأ من قبح بنية القمع، وبالتالي هو القبح الفني المعبر عن القبح الواقعي.

والحرية إذ تنقذ المجتمع والتاريخ من بنية القمع المدمرة للحياة، فإنها تحرره أيضا من شيوع خطاب اللغو وفن اللغو، دون أن تقضي عليه بالمرة، ذلك لأن اللغو ظاهرة موجودة في كل ثقافات الدنيا، غير أنه في البنى الدكتاتورية يغدو محتلا ساحة الخطاب والفن ويعلن عن نفسه صورة الانحطاط الكلي.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر