السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

روائح كريهة

الخطيئة الحقيقية تتمثل في صلات الناقد المكرس بالكاتبة أو الفنانة الناشئة، تلك العلاقة التي تنطوي، في حالات غير سوية، على جرم قيمي تجاه المشهد الأدبي.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/03/23، العدد: 10223، ص(15)]

تتحدث يمنى العيد في أحد مقاطع الجزء الثاني من سيرتها البديعة “زمن المتاهة”، عن لقائها الصادم بأمل دنقل، الذي كان عنيفا وعدوانيا بغير مبرر، لتطرح سؤالا حارقا عن بواعث المصادرة التي يواجه بها صوت المرأة الكاتبة، واستعصاء الاعتراف بعملها وإنجازها في الوسط الأدبي الذكوري، دونما ثمن لا يمت، في الغالب، بصلة إلى قيم الفن والإبداع، ثمن لا أخلاقي على الكاتبة أن تغامر بدفعه من أنوثتها، وإلا ستبقى رهينة الهامش الثقافي لسنوات طويلة.

لم تكن يمنى روائية ولا شاعرة بل ناقدة مناضلة، في بيروت المنهكة من الحرب الطائفية والاغتيالات السرية والاختطافات، تنهض بأدوار غالبا ما احتكرها الكتّاب الذكور لبسط نفوذهم على المشهد الثقافي، لهذا ما كانت لتسلم من العداء المضاعف، تجاهها كناقدة وباحثة رائدة وأنثى، والحق أن مسألة الاعتراف والتعهد بصدد الكاتبة المبدعة انطوت في معظم الحالات، على التباسات جمة، نعرف جيدا أن عددا كبيرا من نجوم الشعر والرواية والسينما والفن التشكيلي (الذكور) شكلوا مطحنة للعواطف والأسماء، وكانت الشهوانية والعنف وجها خفيا لنبوغهم الإبداعي، أستحضر هنا بابلو بيكاسو، الذي دفع بعشيقاته من الفنانات المبتدئات إلى حافة الجنون والانتحار، كما أستحضر إرنست هيمنغواي زير النساء، لكن في النهاية تبدو العلاقة غير منطوية على خديعة عمومية، ذلك أنها تبقى شأنا شخصيا، بين كاتب وحالمة بالخيرات الرمزية.

بيد أن الخطيئة الحقيقية تتمثل، في اعتقادي، في صلات الناقد المكرس بالكاتبة أو الفنانة الناشئة، تلك العلاقة التي تنطوي، في حالات غير سوية، على جرم قيمي تجاه المشهد الأدبي، سواء في الحال التي تسعى فيها مدعيات إلى التحقق بسجايا غير أدبية، مستغلات الغرائزية المتغلغلة في وجدان عينة واسعة من ممتهني حرفة النقد، أو عندما يتحول الناقد إلى متسقط لمغامرات، باحث عن ضحايا بين ركام الإصدارات التي تطرحها يوميا دور النشر.

أذكر في هذا السياق واقعة طريفة تتصل بمشرف على أحد المنابر الثقافية العربية تعود إلى أواسط التسعينات من القرن الماضي، حيث كان من عادته أن يلتمس من الكاتبات، تحديدا، إرفاق نصوصهن بصور شخصية لضرورات النشر، لتشكل تلك الصور المتن الأساس، ويتحول النص إلى شيء ثانوي بالإمكان إعادة صياغته وتنقيحه، وتصحيح لغته، وتطعيمه بالمعاني والدلالات… حتى يصبح قابلا للنشر كحاشية على الصورة.

وهكذا ستنشأ، عزيزي القارئ، عينة من الأسماء الإبداعية النسائية المصطنعة والخاوية، في المشهد الشعري والروائي والقصصي والمسرحي والتشكيلي العربي، بإمكانك أن تصادفها في جل المهرجانات والملتقيات الفخمة، وتلك التي تمنح مكافآت مجزية، كما قد ترتب لها سبل حيازة جوائز ووظائف تنفيذية في حقول الثقافة والنشر، لكنها في النهاية لا تسلم من حصار الروائح الكريهة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر