الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

ماكينة الخرافة تشتغل

الذئاب المفترسة لا تجد غايتها إلا في قطيع الحملان، وذلك ما يطمح إليه من يركبون صهوة الدين للقفز إلى سدة الحكم في مجتمعات خدروها بالدجل والكذب وتزوير الحقائق وتزييف الوقائع.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/03/23، العدد: 10223، ص(24)]

قبل أيام، سمعت رجلا في إحدى القنوات التلفزيونية، يتحدث عن ابنه الذي تعرّض لعملية غسيل دماغ، سافر بعدها إلى مضارب داعش للانضمام إلى صفوف التنظيم الإرهابي، ولعلّ أغرب ما قاله الأب المكلوم أن ابنه اتصل به ليقول له “أبي العزيز، لم يعد هناك متسع في الجنة إلا لستين ألف شخص، أسعى إلى أن أكون منهم، قبل فوات الأوان”.

هكذا، عندما يصبح التلاعب بعقول العامة حرفة لبعض الأطراف التي تدعي التديّن، وتمارس باسم الإسلام كل أنواع الكذب والدجل والخداع والتزوير والتزييف، يصبح لزاما علينا أن نقول للجهات التي تخطط وتموّل وتنفّذ: كفى، فالأساليب الرخيصة والمبتذلة لا تخدم الأهداف النبيلة والسامية، وما يحدث في مجتمعاتنا حاليا من خراب ممنهج، يعود جزء مهم منه، إلى الجهل الذي يستغلّه البعض في غسيل الأدمغة، وتجنيد إرهابيين، تشير كتابات جزء مهم منهم، إلى أنهم لا يتقنون كتابة جملة عربية سليمة تتكون من فعل وفاعل ومفعول به، ولا يحفظون آية من القرآن الكريم، ومع ذلك يفتون في الدين، ويتجرؤون على تكفير الأنظمة والشعوب والمجتمعات، وعلى قتل الأبرياء وحرق الزرع والضرع.

وهنا يمكن لسائل أن يسأل: من ذا الذي روّج سابقا لخرافة أن جريمة 11 سبتمبر مذكورة في القرآن؟ وأن الأفاعي كانت في حرب أفغانستان تلتهم الدبابات الروسية؟ وأن الرسول تحدث عن غزو العراق للكويت؟ وأن طائرات الناتو التي ضربت ليبيا هي طير أبابيل؟ وأن قبور مقاتلي القاعدة أو داعش يفوح منها المسك بينما قبر الفنانة صباح تهاجمه الثعابين؟ وأن جماعات الإسلام السياسي جاءت لخدمة الإسلام فعلا؟ وأن الكذب في مصلحة الدين صالح، وأن الله يحتاج إلى المنافقين كي يعلوا كلمته؟

ولسائل أن يسأل كذلك: من الذي أوحى للبعض بأن يشتم الموتى ويشمت فيهم ويحكم على هذا بالجنة وعلى الآخر بجهنم؟ وكيف باتت هذه الأحكام باسم الدين متاحة للجميع من العامّة وعامّة العامّة؟ وكيف انتشرت فينا نزعات الطائفية والمذهبية بهذا الشكل المريع لتخرج علينا في كلّ يوم أصوات يدّعي كل منها أنه من يمتلك الحقيقة المطلقة وكأنه مرتبط بالسماء مباشرة؟

إن مجرد النظر إلى مواقع الإنترنت من منتديات وصفحات تواصل اجتماعي، سيكشف أن هناك ماكينة تشتغل على ترويج الوهم ونشره، وأن هذه الماكينة وراءها عقيدة شاذة ومال سائب وأجندات مشبوهة، هدفها قتل الوعي، وتخريب العقل، وتدمير الحضارة، بما يسمح لمشروع الجماعات المتشددة أن يسود تحت غطاء الخرافة والشعوذة، طبعا لأن مشروعا كهذا لا ينبني إلا على تغييب الوعي، فالذئاب المفترسة لا تجد غايتها إلا في قطيع الحملان، وذلك ما يطمح إليه من يركبون صهوة الدين للقفز إلى سدة الحكم في مجتمعات خدروها بالدجل والكذب وتزوير الحقائق وتزييف الوقائع.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر