الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

سعدي الكعبي يوثق ظهور العائدين من الطين

  • تقدم صالة “أجيال” البيروتية معرضا تشكيليا للفنان العراقي سعدي الكعبي تحت عنوان “خطاب الصمت”، والكعبي فنان غني عن التعريف وهو من أشهر الفنانين الذين تميزت لوحاتهم بالعراقة وبالتطور التقني في خدمة الأفكار المرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة الهوية، والغنى الحضاري الذي تتميز به منطقة بلاد ما بين النهرين.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/24، العدد: 10224، ص(16)]

جدران أثرية تحمل ندوبا

بيروت – تتميز لوحات الفنان العراقي سعدي الكعبي بالعراقة وبتأصيل هوية بلاد الرافدين، غير أن ذلك لا يعني يوما غياب التعبير الشخصي في لوحته أو انتفاء إدخال عناصر خاصة وغزيرة استقاها الفنان من تجاربه الشخصية، ولا سيما تلك المتعلقة بعراق الشتات والحروب والهجرات المتواصلة.

من المعروف أن سعدي الكعبي اضطر إلى مغادرة العراق سنة 2006 بعد أن تفاقمت الأمور هناك بشكل لا يُطاق، فكانت محطته الأولى الأردن ثم أميركا، حيث لا يزال مقيما حتى يومنا هذا.

يُذكر أن الفنان من مواليد النجف بالعراق سنة 1937، وكانت بداية مسيرته الفنية عند التحاقه بمعهد الفنون الجميلة سنة 1957، حيث تتلمذ على يد كبار التشكيليين، نذكر منهم الفنان جواد سليم والفنان فائق الحسن والفنان حافظ الدروبي.

أشباح من طين

لعل معرض “خطاب الصمت” الجديد الذي تحتفي به حاليا صالة “أجيال” البيروتية والذي يضم 18 عملا فنيا جديدا، أنجزها سعدي الكعبي ما بين سنة 2009 وسنة 2016 يقدم تحولا في مسيرة الفنان الفنية، ليس من ناحية الأسلوب فحسب بل من ناحية المضمون كذلك.

شخوص الفنان، لا بل القامات البشرية التي تذكر الناظر إليها بملوك وملكات الأساطير الآشورية، هي قامات يبدو أن الفنان استحضرها في لوحاته كي تقوم بمهمة خاصة.

لأول وهلة قد يتراءى لزائر المعرض أن قامات الطين المُخربش، القادمة من تاريخ عراقي عريق، ترمقه بنظرات عميقة ربما تسائله بها حول ما يجري الآن في العراق وفي غيره من البلدان العربية المحيطة.

ومع ذلك، فهذا الانطباع لا يلبث أن يزول ليحل مكانه انطباع أقوى، فكل الشخوص المنتصبة في اللوحات هي صيغة جديدة لأشباح ابتكر أشكالها الفنان من طين وليس من مادة هيولية.

أشباح سعدي الكعبي تقف أمام بوابات حجرية برع الفنان في تشكيلها منذ بدايات مسيرته الفنية، أشباح تعاتب الناظر إليها وتلح طالبة منه تصويب مسار التاريخ الذي انحرف، وترميم ما تدمر من وجه العراق الحضاري، لكي تستكين ويهدأ غضبها وإلاّ ستظل تطارده وتراوده في أشكال كوابيس تنبعث منها كرياح صحراوية عتيدة.

أشبع الفنان أشباحه بأزرق فريد تضرج بفضة الأساطير البابلية ورسّخ حضوره، أي حضور الأزرق الفريد الذي يجتاح كل لوحاته، بما يشبه وشاحا رقيقا وشفافا أرساه الفنان على القامات الأسطورية ليلتحم معها في أغلب الأحيان.

ما من لوحة إلا ويشرع فيها الفنان لتصميم فضائها بشكل لا يبهت من أسطورية الرؤية وسحر عناصرها

وشاح شامل يشبه من ناحية الملمس، الجدران الأثرية بكل ما تحمل من تكسرات وندوب، ويشبه أيضا رماد الخرائب، الخرائب التي تقف شاهدة على عظمة التاريخ القديم، أي ذلك الذي احتضن القطع الأثرية البابلية والسومرية والآشورية، ولكن يشبه أيضا رماد الخرائب التي شهدت، ولا تزال الدمار المعاصر الذي أصاب في الصميم كل ما جعل من العراق منطلقا لأعظم الحضارات الإنسانية.

صدى مدو

سيعثر المشاهد في عدد من لوحات الفنان على شخوص وكأنها تتضاعف وتتناسخ لتميل ناحية الأرض، تميل ميلا قويا، ولكنها تتجمد في لحظة مصيرية، فلا تسقط أرضا، لذلك يستحيل اعتبار هذه القامات البشرية المُنهالة على بعضها البعض شخوصا حقيقية، بل هي صدى لارتجاجات شبحية، إذا جاز التعبير، تخيف وتهدد الناظر إليها بكارثة مستقبلية/ نهائية قد تطبق على المنطقة بأسرها.

وفي المقابل، يبقى بصيص الأمل الذي أراد الفنان الاحتفاظ به، مجسدا بهذا الالتباس أو بهذه الخدعة البصرية/ التشكيلية التي تشير إلى فعل السقوط النهائي الذي لم يحدث فعلا، على الأقل حتى الآن.

وما يعزز هذا الانطباع ويكرسه بصريا في لوحة الفنان، النوافذ والأبواب الحجرية التي نادرا ما فارقت أعمال سعدي الكعبي السابقة، وتتلقف هذه النوافذ سقوط الأشباح الحجرية، فتباعد، في اللحظة المناسبة، ما بين فعل السقوط وأجسادها الأسطورية.

ما من لوحة إلاّ ويشرع فيها الفنان لتصميم فضائها لوحته بشكل لا يُبهت من أسطورية الرؤية وسحر عناصرها، خاصة عندما يُدخل إليها أشكالا تذكّر بشكل كبير بالأسطوانات الآشورية الشهيرة، وكتابات تشبه الطلاسم مُصاغة بأحرف عربية تُخاطب المُشاهد باللغة الذي ينتمي إليها، وتنتمي بدورها إليه.

يطلق الفنان على معرضه عنوان “خطاب الصمت”، وما الخطاب إلاّ ما رشح عن المرايا الحجرية، أي تلك الجدران/اللوحات التي تغشاها ظلال رمادية ترق حينا وتتكثف حينا آخر.

هكذا بنى الفنان لوحته بصمت العارف المُترفع عن الجرح، وبمؤازرة تقنية دأب على ملازمتها، وتطويرها منذ سنين عديدة. تتمثل هذه التقنية في قشط المادة اللونية عن القماش المشدود إلى خلفية خشبية مما يجعل لوحته وكل ما يكتنزها من عناصر تشبه جدارا أثريا صقلته ريشة ألوانه، كي تبعد عنه تجهّم الطين وثقل الحجر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر