السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

كتاب لن يحمل إمضاءك

ما أقسى كتابا لن يحمل إمضاءك! كتاب لا يحمل إمضاءك ليس بكتاب، إنه وهم لقائك بعد طول غياب، في نهاية هذه الأسطر.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/24، العدد: 10224، ص(16)]

دخلت إلى المكتبة المجاورة لأبتاع كتابا مُعينا، لم يمرّ على إصداره أكثر من بضعة أيام، ولكنه مُحمل بعبق زمن بدأ في الماضي ولن ينتهي، لأنه مزيج من حلم وذكريات وحاضر على السواء.

عثرت عليه، على طاولة المكتبة بين الكتب الجديدة، هو ديوان يضم العشرات من القصائد والنصوص لم يسبق لها أن نُشرت بعد، ويحمل عنوانا قاهرا وجميلا وصادقا على السواء “كان هذا سهوا”، حينها شعرت بغربة شديدة، فكل ما كان يحيط بي من ضجيج قد اختفى، وتهيّأ لي أن الناس من حولي قد قدموا من بعد زمن آخر لا أمت إليه بأية صلة.

لم أحضر الأمسية التي تم فيها إطلاق الكتاب، فصاحب الكتاب ليس موجودا بالفعل، وأنا أكره سماع الشعر والأمسيات الشعرية، لأنها برأيي مخالفة لمنطق الشعر وسريته، الشعر لا يُقرأ بصوت عال مهما احتدت نبرته، الشعر يُغنى، ويُرسم، ولكن لا يُتلى، وفي خلفيته موسيقى مرافقة له مهما عظمت الموسيقى أو اشتد تأثيرها.

أنسي الحاج شاعر لا يمكن لقاء كلماته، إلاّ في حميمية اللحظة المشتركة، لقد أصابت الشاعرة ندى الحاج، ابنة الشاعر، في اختيارها عنوان الكتاب، وربما لم تكن لتختار أبلغ منه عنوانا، وهو مستقى من نصوص الشاعر، لأنه اختصر نزعة الشاعر أنسي الحاج، رحمه الله، في الإنكار الشعري لكل ما اختبره بعمق وكل ما عرفه عن كثب وكل ما كانه في الشعر؛ حياته، أيامه، لياليه، وكل ما احتدمت به كلماته من حكمة وجنون لاهث لا يعرف الهدوء، وإن “داهمه” هذا الهدوء في السنوات القليلة الأخيرة.

يحيلني هذا الكلام إلى ما قاله لي في أحد أيام الشتاء العاصفة “صرت أحب الإصغاء إلى العواصف وهطول الأمطار، ليقيني أن ثمة في الخارج من يتولى مهمة الجنون بدلا عني”.

“كان هذا سهوا”، وكل الذي عشناه كبشر وسنعيشه على هذه الأرض هو سهو بسهو. لا يدرك أحدنا الآخر، إلاّ إن غاب. تبقى الألوان -الحوافز- الحب التي تصطبغ بها لحظات وجودنا قادرة بأن تردنا إلى حيث كنا قبل أن نجيء إلى هذا الوجود، هذا الوجود الذي لا بد أنه لا يشبه الحقيقة بشيء، ولو كان حقيقيا لما كان “السهو” جلّ ما يميزه وأقسى ما يحرض عليه.

“أستاذ أنسي”، كما كنت أخاطبه، والذي أدين له بالكثير، فهو أول من أطلقني في عالم الكتابة، وهو الذي أسدى لي بنصيحة لا أزال أتمسك بها، إذ قال لي في أكثر من مناسبة “كتابتك غير أكاديمية وخاصة وبصرية، فلا تتخلي عن ذلك أبدا”.

على غلاف كتابه الجديد وفي حضرة غيابه، صورة فوتوغرافية- أيقونية له تعود ربما لفترة السبعينات من القرن الفائت، صورة تختزل استحضار الغائب دوما، وهو على متن قارب ما انفك يأخذه بعيدا في جولات.

في هذه الصورة ربما هو في رحلة فوق نهر السين الباريسي، ولكنها رحلة كباقي رحلاته، تبعده، ولكن ليس بعيدا جدا عن كل من عرفه عن كثب. النظرة التي يلقيها في الصورة هي نظرته التاريخية التي لم تخبُ يوما، نظرة تشبه خطّ يده، تشده إلى الضفاف لا لترسي به، بل لكي يغادر منها من جديد.

أذكر بأنه في أحد الأيام أطلعني على قصيدة بخط يده، بدلا من أقرأ الكلمات وأتمعن في معانيها وجدتني أحدق مُعجبة بخط يده، إذ كانت كلماته مرصوصة، ومُنفلتة، وعصبية ومُجنحة في الآن ذاته، يومها أبديت إعجابي الشديد بخط يده، فضحك ضحكته المعهودة والمدوية، قائلا “أسألك رأيك في القصيدة، فتصمتين، ثم تعلقين على خط يدي!”.

ألم يدر الشاعر أن في خطه بوارقه الخاطفة ومشاهده الشعرية التي تصلح لأن تكون لوحات فنية؟

عندما رأيت كتابك على طاولة المكتبة بين الكتب الصادرة حديثا جاءتني هذه الخواطر؛ ما أقسى كتابا لن يحمل إمضاءك! كتاب لا يحمل إمضاءك ليس بكتاب، إنه وهم لقائك بعد طول غياب، في نهاية هذه الأسطر، استطردت قائلة “مقال عنك لن تقرأه أنت، هو أيضا.. ليس بمقال”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر