الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

ممثلو الأديان في بروكسل: لا مجال لاستمرار الالتباس بين الإسلام والإرهاب

  • يطبع الخوف كل أنحاء أوروبا في الفترة الأخيرة من خطر الهجمات الإرهابية التي تقوم بها الخلايا المتطرفة المزروعة في مدن أوروبية عديدة، لعل آخر تلك الهجمات، تفجيرات المطار ومحطة الميترو في العاصمة البلجيكية بروكسل. ولكن، ورغم هذا التوتر الأمني والاجتماعي العالي، إلا أن الندوات التي تقوم بها الجماعات الدينية لتثبيت الفصل بين الإسلام والإرهاب لا تزال مستمرة، وتؤتي أكلها في إصلاح صورة الإسلام.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/03/24، العدد: 10224، ص(13)]

التسامح يحتاج الى تقديم أوراق اعتماد

على مدى يومين خلال الأسبوع الماضي، تبادل العشرات من المشاركين في ندوة دولية بالعاصمة البلجيكية بروكسيل حملت عنوان “الإسلام: الموقف من العنف وأبعاد الجهاد ومسؤولياتنا”، آراء وتصورات مختلفة حول ظاهرة العنف والتطرف داخل الإسلام في الوقت الحالي، وإشكالية الجذور الفكرية والدينية والثقافية والسياسية التي تنتج هذه الظاهرة المعقدة، والاقتراحات والحلول والبدائل الممكنة للخروج من الأزمة الراهنة.

أهم ملمح في هذه الندوة التي عقدت بوسط العاصمة بروكسل، التي شهدت هجمات إرهابية، أنها جمعت باحثين ومفكرين وقادة دينيين من مختلف أصقاع العالم ومن مختلف الديانات، جاؤوا جميعا للتباحث في قضية تشغل اليوم حيّزا واسعا من اهتمامات الناس والمجتمعات والحكومات وهي مكافحة التطرف والإرهاب. وقد سعت الندوة إلى جمع ممثلي الأديان في مكان واحد لكي يعلنوا معا عن رفضهم للعنف والإرهاب، أيا كان مصدره، وليؤكدوا أن الأديان جميعها تنبذ التطرف وتحترم حق الإنسان في أن يحيا حياة كريمة وأن يتمتع بالحرية.

ولا شك أن مسلمي أوروبا يعيشون اليوم حالة من التجاذب الحاد بين الانتماء إلى بلدانهم الأصلية ومعيشتهم في أوساط أوروبية مختلفة الثقافة والديانة، لكنها لا تكاد تنظر إليهم إلا بعين من الشك والريبة، نتيجة ما تقترفه العصابات الإرهابية من جرائم باسم الإسلام. ويشعر هؤلاء المسلمون المقيمون، والكثير منهم ولد فوق التراب البلجيكي ولا يعرف وطنا أقرب إليه غير هذا البلد الأوروبي، أنهم يدفعون ثمنا مضاعفا لانتمائهم إلى الدين الإسلامي، فالبلجيكيون ينظرون إليهم على أنهم متطرفون مفترضون بسبب الديانة في حين أن المتطرفين يرون فيهم عناصر منتظرة للفكر المتطرف، لذلك فهم لا يشعرون بأي ارتياح وسط بيئة شبه طاردة.

وفي ظل مثل هذا المناخ، يغيب الخطاب الديني المعتدل الذي يمكنه أن يلعب دور صمام الأمان في مواجهة التحديات المتكاثفة، وأن يجتذب الشباب الضائع وأن يقنع في نفس الوقت المواطن الأوروبي بأن المسلم ليس قنبلة موقوتة ولا هو يعني الولاء للمتطرفين، ولذلك فهو لا يستحق كل هذه الإدانة المسبقة بسبب هويته الدينية المسلمة.

الندوة سعت إلى جمع ممثلي الأديان في مكان واحد لكي يعلنوا معا رفضهم ومقاومتهم للعنف والإرهاب

لقد حكى لي رجل أعمال تركي، يعيش في بلجيكا طيلة ثلاثين سنة، أن أحد أصدقائه من أصول بلجيكية وكان من المقربين إليه بات يرتاب منه بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها العاصمة بروكسل إلى درجة أنه وجه إليه ذات يوم هذا السؤال “هل تفكر في قتلي إذا أتيحت لك الفرصة؟”، ولما أبدى رجل الأعمال التركي استغرابه، رد عليه البلجيكي قائلا “أسألك لأن دينكم يأمركم بذلك”.

وهذا ناتج بالطبع عن الضخ الإعلامي الذي ازدهر في أعقاب التفجيرات التي حصلت في كل من باريس وبروكسل، حيث سقطت بعض القنوات الإعلامية الأوروبية في منزلق الخلط بين الدين والتطرف والإرهاب، الأمر الذي يجعل الكثير من المواطنين يتقبلون ما يقدم إليهم على أنه حقائق غير قابلة للنقاش. ويؤدي هذا الالتباس إلى تقديم خدمة مجانية إلى الجماعات المتطرفة، فالغرض الرئيسي لهذه الجماعات هو محاصرة مسلمي أوروبا داخل زاوية ضيقة، والهدف هو دفعهم إلى السقوط في الشراك المنصوب لهم من لدن هذه الجماعات، لكي يصبحوا غدا لقمة سائغة للتطرف. لقد نجحت ندوة “الإسلام: الموقف من العنف وأبعاد الجهاد ومسؤولياتنا” في تحسيس الرأي العام البلجيكي، بشتى أطيافه، بخطورة التطرف الناتج عن التفسيرات والتأويلات المغلوطة والمغرضة للإسلام، وأظهرت أن الخطاب المتطرف يشكل انزياحا عن روح النص الديني، ومحاولة لخلق توتر بين أتباع مختلف الديانات والثقافات، من أجل إدخال البشرية في أتون حروب طاحنة وقودها الأديان وقد تحولت إلى عنصر تدمير بعد أن كانت عنصر بناء.

وخرجت الندوة، التي أوصت في الختام بمواصلة البحث وتكثيف اللقاءات المعرفية بخلاصات مهمة من بينها أن الإرهاب ليست له أي علاقة بجوهر الدين، ولذلك يجب أن يكون محل إدانة قاطعة وأن الجهاد الحقيقي معناه المجاهدة من أجل البناء وخلق التعايش بين الناس في بوتقة القيم الإنسانية، وأن الإسلام ضمانة لكرامة الإنسان وأمنه وإحقاق للعدالة والسلام، وأن الإرهاب والعمليات التفجيرية جريمة ضد الإسلام والإنسانية.

كما أوصت الندوة أيضا بالتركيز على مجال التربية والتعليم لتحصين الناشئة ضد التطرف والعنف وزرع قيم الديمقراطية والسلم. بيد أن أهم توصية، في تقديري، هي تلك التي أكدت على ضرورة أن يتحمل المفكرون والعلماء والقادة الدينيون من مختلف الديانات مسؤولياتهم في التصدي للإرهاب.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر