الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

كلفة اللامغرب

في موقف استراتيجي وطني لا بدّ من التأكيد على أنّ الاختـلاف مع المغرب في الكثير من القضايا الاستراتيجية لا يشرّع تفتيتها أو قضم جغرافيتها التاريخية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/03/25، العدد: 10225، ص(8)]

التصعيد الأممي حيال المغرب في قضيّة الصحراء المغربية لا يخرج عن إطار إفشال المشاريع التنموية والأطروحات الإصلاحية بتوتير الأوضاع الداخلية، وعبر تشتيت انتباه الفاعل السياسي المغربي الذي استحال رقما متميزا في السياحة والاقتصاد والتنمية على الرغم من الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، لعل أهمها العدالة الاجتماعية وتشغيل الشباب وخريجي الجامعات، وهي منغّصات محلية لا تخفي حقيقة انخراط المغرب في سياق البناء والتعمير.

قد يكون المغرب الاستثناء الحقيقي ضمن دول الربيع العربي، حيث نجحت الرباط في تجاوز أزمة مركبة تتفاعل فيها البنى والتراكمات النفسية والتاريخية والجغرافية والسياسية، وتمكنت من تفكيك المعضلة ضمن محددات محلية بحتة وبأدوات داخلية حولت بمقتضاها المحنة إلى منحة.

بيد أنّ الحقيقة الجلية التي لا بدّ من الوقوف عندها كثيرا كامنة في أنّ الرباط أجّلت الحسم في قضايا حرجة تمس من أمنها الوطني وذات تأثير ملحوظ ضمن التوازن الاقتصادي المحليّ وعلى رأسها الملف الصحراويّ.

كان رهان الرباط على الزمن السياسي والدبلوماسي لتغيير المواقف في الجزائر حيال القضية الصحراوية مجانبا للصواب، كما أنّ الاعتماد على التحييد الإيجابي للمشكلة الصحراوية ضمن الاتحاد المغاربي بشكل يتعزّز معه التفاهم الثنائي تتلاشى ضمنه الحسابات الضيّقة لم يحقق النتائج المرجوّة.

وعوضا عن أن يستمرّ المنتظم الأممي في مسار طرح التسويات السياسية والدبلوماسية صلب أفق السيادة الترابية للمغرب على الصحراء المغربية، اجتبى الأخير تغيير البوصلة واعتبار أنّ الصحراء المغربية محتلة من طرف المغرب.. وهو تمثّل يخفي وراءه سعيا أمميا لطرح مقترحات جديدة ستصبّ في سياق إضعاف الدولة الوطنية بالكيانات الوهمية الهجينة، وتقويض مسار الإصلاح عبر إحياء عصبيات السلاح، وخنق المغرب بخلق الحدود الجغرافية المعادية من الجزائر شرقا إلى الصحراء المغربية جنوبا.

وفي موقف استراتيجي وطني لا بدّ من التأكيد على أنّ الاختـلاف مع المغرب في الكثير من القضايا الاستراتيجية لا يشرّع تفتيتها أو قضم جغرافيتها التاريخية، كما أنّ الاتفاق مع الجزائر في العديد من المسائل المبدئية لا يعني أبدا القبول بالحسابات الضيقة والزعامات الفارغة والرهانات الخاطئة الخاسرة لدوائر اتخاذ القرار في الجزائر لا سيما عندما يكون الأمر متعلقا بسيادة دولة سيدة أو اختلاق كيان وظيفي متناقض مع جيرانه ومرتهن لمحييه بـ“الريموت كنترول”.

المفارقة أنه في ظل الحاجة المغاربية الحساسة للتنسيق الأمني والاستخباراتي المشترك للحيلولة دون استفحال الخطر الإرهابي في شمـال أفريقيا يقع النفخ في رماد مسألة منسيّة، لتصبح دياجير من أوار النار تمنع الرؤية والتبصّر وتحول دون النظر إلى الأخطار الاستراتيجية للمنطقة.

غياب الرباط عن اجتماع دول الجوار الليبي في تونس يتنزّل في تقديرنا ضمن سياق انعدام أجواء الثقة في دول الجوار وفي المنتظم الأفريقي والأممي على حدّ السواء، فالمغرب يرى في خطر التفكيك على وقع إحياء الأقليات ما قبل الدولة الوطنية خطرا لا يقل ضراوة وفظاعة عن الإرهاب الداعشي المترامي في الجغرافيا المغاربية.

كلفة “اللامغرب” كانت باهظة في مستوى الاقتصاد والتجارة والسياحة والحضور المشترك في المنتظمات الإقليمية والدولية، ويبدو أنّها ستكون مكلفة في مستوى محاربة الإرهاب الذي يوظف جيدا المشاكل البينية المانعة للتنسيق والعمل الجماعي ضدّه.

وفي تأصيل تاريخي لصيرورة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، بالإمكان الإشارة إلى أنّ التباينات العراقية السورية خلال الوجود الأميركي في العراق سمحت بتجذّره واستنباته، وأنّ الشوائب السورية التركية الحالية سنحت له بفرصة التغلغل والترعرع، وأنّ تشرذم الدول المحاربة له في الشرق الأوسط وضعف التنسيق بينها مكنّاه من التوسّع والتمدد، وهو ما على دول الجوار الليبي أن تأخذه محمل الجد لا سيما في ظلّ التباينات الواضحة بين القاهرة وحكومة المؤتمر المتخلية، والقاهرة والخرطوم، والقاهرة والجزائر، والأخيرة والرباط، وهي مقدّمات لا تخدم سوى استراتيجيات الإرهاب في البقاء والتوسّع.

ثلاثة استحقاقات تقف أمام دول الجوار الليبي، دعم الحوار والشرعية الليبية، ضرب الإرهاب في معاقله، والحيلولة دون تقسيم ليبيا عبر الفيدراليات الزاحفة ومنع “كردستان ليبيا” الجديد.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر