الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

أوبئة تجتاح العالم والناجون مشغولون بطائراتهم المسيرة

  • ما بعد انهيار العالم وانتشار الأوبئة التي تحصد أعدادا هائلة، تتقطع السبل بمن بقي على قيد الحياة من السكان، ولن يجد الناجون من وسيلة للتواصل في ما بينهم سوى الطائرات الصغيرة المسيّرة روبوتيا، كتلك التي تستخدم اليوم في مطاردة الإرهابيين، ولكن بأحجام صغيرة، خلال ذلك سيكون هنالك من يبحث عن عزيز له فُقد وسط الفوضى مستخدما ذات الوسيلة، تلك هي القصة التي تتابعت فصولها من خلال فيلم “الدوّار” للمخرج جاد كابر.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/03/28، العدد: 10228، ص(16)]

شبيه بأفلام الأونلاين، لكنه قطعة واحدة

يقدم فيلم “الدوّار” للمخرج جاد كابر (إنتاج 2015) العالم الفسيح وهو يتضاءل يوما، وتضيق آفاق الحياة فيه فلا يعود هنالك متسع للنجاة من الأخطار بسهولة، لا أحد سيتساءل من أين تأتي تلك الأخطار؟ ومن هم صانعوها؟ ومن يقف وراءها؟ وليس غير تتبع الإنسان المحاصر بأزمته وهو يتخبط باحثا عن طريق للنجاة، هنا وحيث ميدان أغلب تلك الأفلام هو أميركا، تبدو المدن الأميركية إما مهجورة وإما لا أحد يعلم عنها شيئا، والناس يتكدسون في بيئة واحدة هي الناجية من الخطر.

يستعرض هذا الفيلم شيئا كثيرا من هذه الأزمة التي تسد الآفاق على الجميع، وتجعل من معرفة ما يجري مهمة عسيرة، فلا توجد مهمة تتقدم على المحافظة على الذات والنجاة من الخناق الذي تعيشه الشخصيات.

في وسط هذا يبرز الشاب كيتش (الممثل كرستيان كابر) الذي لا تكتمل شخصيته ولا حياته، إلاّ بوجود الروبوتات الطائرة التي تعد الوسيلة الوحيدة للتواصل تحت ظل الجائحة التي ضربت مدنا بأكملها، وشلّت أوجه الحياة، بما فيها المواصلات والاتصالات، فلم يبق إلاّ تلك الأجسام الصغيرة المحلّقة مثل أسراب من الجراد من حول الناس.

ومن بين أجيال عدة، سيكتشف جيل فريد من تلك الطائرات المسيرة هو الأكثر ذكاء والمسمى "د.ر 1"، وسيستخدم كيتش تلك الطائرة الصغيرة بتفوق، ولكن من أجل غاية واحدة مهمة هي البحث عن أبيه المختفي منذ أن ضربت الجائحة تلك المدن.

كالعادة ستظهر لقطات مع بداية الفيلم تظهر ما آلت إليه الأحوال، فزع هائل والمزيد من القبور والفجيعة والموت، وأما كيتش فستنضمّ إليه الفتاة مايا (الممثلة ناتالي ويلتش) التي هي في مثل سنه للقيام بمهمة البحث، فيما يدير عمها ما يشبه عصابة للتعقب بوساطة تلك الطائرات المسيرة، ولهذا ستكون مهمته هي كيفية إعادة ابنة أخيه إليه لكي تنفذ تلك المهام التي يوكلها لها.

يتحول اختفاء الأب إلى محور الحبكة الفيلمية، فلن يفعل الابن الكثير، لكن الأب البروفيسور في علوم البيولوجيا وأبحاث الأجنة يخفي الكثير من جرّاء اختفائه الغامض. وفي وسط تلك الأزمات سيظهر بضعة أنفار لا يخفون الشر تجاه بعضهم ويتصارعون بواسطة تلك الأجسام الطائرة، بما فيها إقامة السباقات في ما بينهم والتي سيفوز فيها كيتش نفسه.

الحبكة الفيلمية والسرد في الفيلم يجعلان الأحداث تتجه بعيدا عن جوهر الإشكالية المعروضة وهو الوباء الفيروسي الفتاك

وفي ما يتعلق بالحبكة الفيلمية والسرد فإن الأحداث تتجه بعيدا عن جوهر الإشكالية المعروضة وهو الوباء الفيروسي الفتاك، ويصبح موضوع الطائرات المسيرة وكأنه هو المحور الأساسي، فضلا عن مسألة اختفاء الأب التي تحرك الأحداث بين الحين والآخر.

على الجهة الأخرى هنالك تبسيط في البناء المكاني، حيث تقع الأحداث في أماكن حقيقية، فليس هنالك جهد إنتاجي كبير في اختيارها، مجرد أماكن تحتوي الحوار بين الشخصيات، رغم أن ميزتها الأساسية تتسع وتبدو مهجورة بسبب أن أكثر من نصف السكان قد قضوا، لكن السؤال هو؛ لماذا لم يُصب الآخرون، ولم يظهر أي شيء يدل على أنهم يتعاطون مضادات للوباء أو غير ذلك مع أن الحصول على أمصال ولقاحات يبدو مستحيلا بسبب تقطع السبل بالجميع وشلل الحياة، بما فيها مراكز الأبحاث والمستشفيات الرازحة هي الأخرى تحت وطأة حصار وبائي مخيف؟

نقطة التحول في الدراما الفيلمية ستكون من دون أدنى شك هي لقاء الابن بأبيه، وهما المفترقان منذ زمن، ولهذا وبشجاعة وجرأة مايا وهي تصاحب كيتش ولا تتخلى عنه يقتربان من ذلك المبنى المحصن، حيث يوجد الأب وهو يجري تجاربه على الأجنة.

الشخصية المحورية في الفيلم كيتش تميّز أداؤه بعفوية ملحوظة، بل إنك تشعر بشيء من الترهل في بعض الأحيان في تصعيد الأحداث من جراء ردود أفعال كيتش الباردة غالبا، ولكن بانضمام مايا إليه ستجري الأحداث وفق مسار مختلف أكثر حيوية مما كان عليه، لكن المسار الفيلمي سيبدو في الكثير من المشاهد وكأنه لعبة طائرات مسيّرة، إذ لا تحتدم قوة الصراع كثيرا ولا تسهم في تغييرات أو تحولات حادة في المسار الفيلمي، حيث كان متوقعا أن اختفاء الأب سيخفي المزيد من المفاجآت غير المتوقعة.

المخرج جاد كابر سبق وأن خاض تجارب في مجال أفلام الأونلاين التي يجري جمع أجزائها تفاعليا مع فريق عمل في أماكن متعددة، وهو يتحدث مثلا عن أن هذا الفيلم مرّ بذات المراحل، مع أنه في النهاية امتلك هوية لعمل فيلمي مستقل ليس قائما على ربط أجزاء غير متسلسلة، بل شكل العالم المنهار بسبب الأوبئة صورة مستقبلية هي بمثابة المحور الأساسي في الفيلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر