الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

اجتهادات 'معتدلين'.. أرض تنبت 'الجهاد' أيضا

نتابع في الآونة الأخيرة في العالم الإسلامي، كمفهوم جغرافي، انطلاق فتاوى تكفر مختلفين في المذهب، ثم تكفر رموز المذهب نفسه، في ضوء اختلافات سياسية لا تراعي وجود غير مسلمين ضمن نسيج 'الدولة'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/03/29، العدد: 10229، ص(9)]

مغادرة القاهرة في زيارة إلى بيت العائلة، حيث مكتبة صغيرة أسستها في سنوات الدراسة الثانوية والجامعية، تكفي لأن أنتقل من زمن إلى آخر، وأن ألتمس أعذارا لأي متطرف يميني يحتاج إلى شفقة وصبر جميل، بدلا من مواجهات استعلائية عنيفة يملك مثلها وأكثر.. استعلاء وعنفا، فضلا عن تسلحه باليقين؛ فالشاب الذي كنته لم يكن خاضعا لصرامة تنظيمية، ولا ينفذ تعليمات “أمير” أو “مرشد”، ولكن الكتب التي قرأها في فترة التكوين شيطنت المختلفين، ووضعته في خصومة مع العالم، واحتاجت إلى عدد أكبر من سنوات الزرع لكي تختفي آثارها.

أردت إخلاء مساحة صغيرة لإضافة بضعة كتب جديدة، فأخرجت كتبا، بعضها لم أجد حماسة لتقليب صفحاته، واكتفيت بقراءة العنوان والفهرس والغلاف الأخير. بدأت بكتاب “لبيك أفغانستان”، وتجمل غلافه الأخير بتصريح “أمير المجاهدين في أفغانستان”، وهو لقب منحته مجلة “الأمة” القطرية الإخوانية إلى عبدرب الرسول سياف “إذا فرغنا من قتال روسيا في أفغانستان فسوف نحارب أميركا وإسرائيل حتى نحرر فلسطين”، وجاء الاختبار بعد اندحار السوفييت، فتكالب “المجاهدون” على السلطة، وصارت أفغانستان محمية أميركية؛ لأن “الجهاد الأصغر” وحده لا يكفي لمنح “المجاهدين” خيالا خلاقا وأفقا إنسانيا يلزم ما بعد التحرير ويسمح بالحوار مع العالم، وهو جهاد أكبر.

التقطت الكتاب التالي، “مستقبل الإسلام خارج أرضه.. كيف نفكر فيه؟”، أحد أربعة كتب أهداها إلي الشيخ محمد الغزالي، حين زرته يوم 31 يناير 1989 في بيته القريب من جامعة القاهرة. كنت مفتونا بسيد قطب، وأعتبر الغزالي الملقب بالإمام الوسطي متساهلا. فتحت كتابه فوجدته قطبيا بامتياز “الولاء للإسلام لا للجنس! والأخوة الإسلامية هي الربط الأول وإن تباعدت الأمكنة والأزمنة، ولغير المسلمين جميع الحقوق التي للمسلمين وعليهم جميع الواجبات ماداموا في ذمتنا”. لا مكان للمواطنة، وإنما وصاية على الذين “في ذمتنا”، وهو منطق يجمع عليه أغلب المجتهدين “المعتدلين”.

الكتابان السابقان متوسطا القطع، واحتل مكانهما كتابان من القطع نفسه، وبقيت نسخة زائدة من الكتاب كبير القطع “التصوف.. الثورة الروحية في الإسلام” لأبوالعلا عفيفي، أخليت له كتاب “حقوق الإنسان في الإسلام”، ومن باب الفضول آثرت أن أستعيد قراءات الصبا، وكانت تمنحني زهوا لم يكن ينقصني، فجذبت انتباهي ستة ألقاب لكاتبه علي عبدالواحد وافي، أطول تعريف يحمله غلاف كتاب لمؤلف: دكتور في الآداب من جامعة باريس، عضو “المجمع الدولي لعلم الاجتماع″، عميد كلية الآداب بجامعة أم درمان، عميد كلية التربية بجامعة الأزهر، وكيل كلية الآداب ورئيس قسم الاجتماع بجامعة القاهرة سابقا. في مقدمة من خمسة عشر سطرا جرد “الأمم الديمقراطية الحديثة” من فضل السبق إلى تقرير حقوق الإنسان، فهي “تدعي” أن العالم مدين لها بذلك، “والحق أن الإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة وأوسع نطاق… وأن الديمقراطيات الحديثة لا تزال متخلفة في هذا السبيل تخلفا كبيرا عن النظام الإسلامي”.

أتجاوز هذا التعميم وأقدر أن المؤلف الذي نال الدكتوراه من فرنسا اكتسب مع الدرجة العلمية قيما إنسانية ومنهجا يتيح له دراسة النصوص في سياق زمنها، وألا يسحبها إلى زمن تال أكثر اتساعا يضيق بها؛ فلم يكن العرب المسلمون بدعا من الأمم، حين مارسوا في أزمنة الفتح قواعد عسكرية وسياسية تتفق مع روح تلك العصور، ولكن تنفيذها خارج ذلك النسق يجعلها نشازا.

يقول المؤلف إن الإسلام “يقرر أن الذميين في بلد إسلامي أو في بلد خاضع للمسلمين لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين، ويجب على الدولة أن تقاتل عنهم كما تقاتل عن رعاياها المسلمين”. ومع الفخر بإنصاف “الذميين”، وهو مفهوم مسيء حاليا، لن يتسع خيال المؤلف لمصطلح “المواطنة” الذي يتساوى في ظله مواطنو “الدولة”، أيا كان دينهم أو لا دينهم، بل يقر الرجل الذي درس في باريس أن نهاية القرن العشرين يمكن أن تتسع لوجود “بلد إسلامي”، متجاهلا أن “الدولة” ليس من مهامها هداية الناس إلى الدين، ولكنها تعنى بتنظيم شؤون المواطنين، ولكن كلامه نبوءة بممارسات جماعات تناسلت من أفغانستان إلى الصومال، مرورا بإيران وحماس وداعش التي لا تعترف بحدود، تنفيذا لنصيحة الغزالي “الولاء للإسلام”.

في فصل “الحرية السياسية في الإسلام”، يواصل المؤلف تأكيد هذا النقاء البشري للرعايا، ولا يتورط في ذكر كلمة “الدولة”، حين يتناول موقف الإسلام من “حق الأمة في اختيار الحاكم”، ويستعين بفتاوى “العلامة ابن تيمية”، ويكرر لقب “العلامة”، القائل “ومذهب أهل السنة أن الإمامة تنعقد عندهم بموافقة أهل الشوكة”، وفتوى في الرد على كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبدالرازق، تقول إن “منصب الخليفة إنما يكون بمبايعة أهل الحل والعقد”، وصاحب الفتوى محمد بخيت مفتي مصر، بطل مادة الدين في دستور 1923. (انظر مقال “المادة التي زرعها الاستعمار فأصبحت لغما” في «العرب» 6 أغسطس 2014).

وافي لا يناقش مأزقا يكون فيه من يسميهم أهل الحل والعقد موضع شك ولو بعد حين؛ ففي أغلب العصور كان علماء السلاطين وحدهم أهل الحظوة، مع التجاهل والنفي والسجن والقتل لثقات أعيد إليهم الاعتبار في عصور تالية. ونتابع في الآونة الأخيرة في العالم الإسلامي، كمفهوم جغرافي، انطلاق فتاوى تكفر مختلفين في المذهب، ثم تكفر رموز المذهب نفسه، في ضوء اختلافات سياسية لا تراعي وجود غير مسلمين ضمن نسيج “الدولة”، ولكنه لا يأبه للدولة ولا المواطنين إذ يقول “أما الإسلام فيعهد باختيار الخليفة إلى أهل الحل والعقد، وهم أئمة المسلمين وفقهاؤهم ورؤساء عشائرهم وأمراء أجنادهم وذوو الشوكة والمكانة والرأي فيهم. وهؤلاء هم الممثلون للأمة”. يقر المؤلف بأن هذا هو “الإسلام”، ولا يصيبه شك؛ فيتواضع بالقول إنه اجتهاد مسلمين، يصلح لزمن ولا يناسب زمنا آخر. وهو “كلام” يعيدنا إلى عصور ما قبل الدولة، ويضعنا في حروب مع العالم بمن فيه مسلمون لا يؤمنون باجتهادات صارت قرآنا لم يتنزل من السماء.

هكذا تصبح جيوش الوطن فرقا يدعي كل منها الانتساب إلى الله، ويرفع راية “الجهاد”، ويمنح صكوك “الشهادة”، وتلك قضية أخرى.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر