الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

إرهابيون على الهواء مباشرة

الإرهابيون على الهواء لن يقتصر تأثيرهم فقط على التسبب في كل ذلك الانقسام في الرأي الذي تلحظه في التدوينات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الشاشات، بل في خلق بلبلة إعلامية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/03/29، العدد: 10229، ص(18)]

صور يتم بثها مباشرة من موقع الحدث لأحداث وجرائم إرهابية، مازال الدم ساخنا ومشاهد الجرحى والقتلى تملأ الشاشات، ثم فجأة تشاهد جمهورا مذعورا خارجا من موقع الكارثة ناشدا النجاة، لا شيء غيرها .

مشاهد كهذه جاءتنا من العديد من المدن الأوروبية، من لندن إلى باريس وانتهاء ببروكسل وكلها تنقل على الهواء مباشرة ما اقترفه الإرهابيون بحق أناس عزّل.

هي حقا لحظة مشحونة بكثافة وجدانية وعاطفية ونفسية فضلا عن وقع إعلامي مؤثر، يتم التصوير أحيانا بكاميرات الهواتف أو تتم الاستفادة من صور كاميرات المراقبة، لكن المهم هو جعل المشاهدين في أي بقعة من العالم يعيشون في قلب الحدث الموجع .

هي حقا دراما قطع أنفاس، ولحظات فارقة تؤجج في الإنسان مشاعر سخط وإدانة لا تنتهي يرافقها سؤال وما الحل ؟

وبسبب ذلك سيركب بعض سيئي النوايا الفرصة، العنصريون خاصة، لا تستغرب ذلك، سيصنعون العديد من الهاشتاغ العنصري الذي ينضح بالإسلاموفوبيا كمثل ذاك الذي انتشر بعد دقائق مما جرى في بروكسل تحت عنوان “أوقفوا الإسلام” وعرضته صحيفة “واشنطن بوست” بلغة تهكمية وعرضت أيضا نماذج متعارضة من التعليقات بين من هم أكثر تشددا وتطرفا وعنصرية، وبين نقيضهم من المعتدلين لتنتهي التعليقات بما يدونه شخص أميركي وهو يزجي التحية لأصدقائه وجيرانه من المسلمين الذين لا شأن لهم بما يجري ولا يتحملون أوزار سواهم من المجرمين.

القصة نفسها ستتكرر ولكن بوجه آخر عند استضافة بعض الفضائيات الأوروبية للمعلقين والمحللين، كل شيء سيجري على خلفية ذلك البث الحي، أفعال الإرهابيين تدلّ عليهم وكأنهم هم أنفسهم على الهواء مباشرة من خلال النقل الحي، القصة ستتكرر أيضا من خلال معلّقين ينقض بعضهم بعضا وكلّ ينحي باللائمة على جهة أو طرف وعلى قصور في الإجراءات الأمنية وما إلى ذلك.

الإرهابيون على الهواء لن يقتصر تأثيرهم فقط على التسبب في كل ذلك الانقسام في الرأي الذي تلحظه في التدوينات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الشاشات، بل في خلق بلبلة إعلامية من أولى علاماتها التكهن بجنسيات الإرهابيين الفاعلين.

بالأمس قيل عن منفذي هجمات بروكسل إنهم من بيلاروسيا، ثم ما لبثت وسائل إعلام أخرى أن أعلنت أنهم من أرباب السوابق الذين يعيشون في بلجيكا بأوراق إثبات شخصية مزورة، وهذا أيضا استكمال لدائرة الجدال التي تنتهجها تلك الكائنات الإرهابية التي تتسبب في كل مرة بشلل مؤقت في الوعي، ما يشبه الصدمة الإعلامية والعاطفية تجاه ما يجري، وتجاه فداحة الجريمة وضحاياها الأبرياء، على الجهة الأخرى ستستضيف فضائية عراقية – وعلى الهواء مباشرة – أيضا إرهابيين بثياب صفراء فاقعة، مكبلين بالأصفاد وهم يروون قصص جرائمهم وكأنهم يروون فصولا شائقة من سيرة حياة حافلة بالإنجاز. التسلسل في رواية الوقائع يثير أحاسيس متضاربة بسبب ذلك الانهماك بمهمة إبادة الجنس البشري التي مارسها أولئك الإرهابيون وهم يقدمون فصولها على الهواء مباشرة.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر