الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

التشكيلية اللبنانية غادة زغبي تحرر الخزائن من أثقالها

  • تأتي خزانة الفنانة التشكيلية غادة زغبي، في معرضها البيروتي الأخير المعنون بـ”أنظمة الشخصيّ”، صنفا آخر من الخزائن، لا كما تحدث عنها الشاعر جان بيار ريشار، حين قال “هناك أشياء في الصندوق المُغلق أكثر مما هو موجود في الصندوق المفتوح.. التحقق من الأمر يُميت الصور.. الخيال هو دائما أقوى من العيش”، فخزانة زغبي مُواربة، لأنها مفتوحة دون أي تحفظ، سرّية لأنها تُغرق الناظر إليها في سيل من تفاصيل ملونة تشتت ذهنه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/31، العدد: 10231، ص(16)]

تقنية عالية لفنانة جادة

بيروت – تقدم الفنانة اللبنانية غادة زغبي في قاعة “آرت سبيس” البيروتية ثلاث عشرة لوحة تشكيلية تبدو لأول وهلة، وكأنها صُممت لتتولى مهمة بوح لتطهير الذات عبر رصدها وتصويرها لسلسلة من الخزائن المفتوحة على مصراعيها، والكاشفة دون أي تحفظ عن مجمل محتوياتها وأسرارها، غير أن هذا الانطباع لا يلبث أن يخفت في نفس المتجول في معرضها ليطغى عليه انطباع آخر لا يقل أهمية عن الانطباع الأول، بل هو مُكمل له.

فهذا البوح الغزير لناحية موجودات الخزائن من علب وملابس وألعاب وأقلام وصناديق وصور، يوازيه من جهة ثانية كتمان كبير يتعلق بمدلولات هذه الأشياء المعروضة ومعانيها وأهدافها، ويبقى ذهن المتفرج على الأعمال يتأرجح بين الانطباعين المتناقضين في الظاهر إلى أن يغادر القاعة.

أهوال الخزانة

ليست هذه أول مرة يقوم فيها فنان تشكيلي بتناول ثيمة “الخزانة”، فطالما كانت حاضرة في نصوص الكثير من الفنانين التشكيليين والأدباء والشعراء، لكن مع فارق واحد، فالخزائن الموصدة أو المقفلة على أسرارها كانت الأوفر حظا في الدخول إلى عوالمهم الإبداعية.

خزائن غادة زغبي، مختلفة ومُتحركة تكاد تدب فيها الحياة العضوية، ليس فقط لأن محتوياتها مُستعملة وعليها بصمات بشرية واضحة، وقد برعت الفنانة في إيصال هذه الفكرة إلى المُشاهد بتقنيتها الفنية العالية جدا، بل أيضا لأن معظم موجودات الخزائن تظهر للمُشاهد في أطوار عدة، تتبدل تبدل أطوار الإنسان.

خزانة، تبدو تارة وكأنها تتقدم نحو المشاهد لتلفت نظره إليها، كما في اللوحة التي تحمل اسم “الكائن الوحيد”، وتارة أخرى تقترب منه لتمسك به وتأخذه بعيدا عن عالم ربما لا يزال في نفس الفنانة مُلتبسا، كما في لوحة “الذكريات المُختبئة”، حيث تظهر شكل عين ناعسة تدعو الناظر إليها، إلى ما هو خلف الملابس المُعلقة من أعلى داخل الخزانة، أو هي في لوحة أخرى، خزانة تتحدّث عن ويلات شخصية، كما في العمل الذي يحمل اسم “استعمالات متعددة للعصا وللحزام”.

يكاد الحزام والعصا يظهران لشدة الفوضى التي تعم الخزانة، ولكنهما هما الأكثر إفصاحا عن مضمون اللوحة، وهناك لوحة أخرى تتحدث عن ويلات عامة وقد اكتسبت بعدا شخصيا وحميميا، ولعلها من أجمل اللوحات التي تكلمت عن مأساة الطفل السوري إيلان وغرقه في البحر. تحمل اللوحة اسم “الصبيّ وصل وحيدا”، تحتضن اللوحة أشياءه الصغيرة، قميصه الشهير الأحمر اللون وهو مطويّ بتأن، بنطاله الأزرق وهو بأفضل حال، وزورق صغير في الدرج الأخير وقد انكمش على ذاته انكماش الحلم بالخلاص.

عسكرة الخزانة

تبدو في لوحات الفنانة خزائن من نوع آخر غير الذي ذكرناها آنفا، إذ هي تختزن محتويات أشبه بمواقف مُعلنة تم إطلاقها ليتم إدخالها بعد ذلك إلى أرشيف الذات/الخزانة بعد أن أدت مهمتها.

لوحات الفنانة تقدم خزائن تختزن محتويات أشبه بمواقف معلنة تم إطلاقها، ليتم إدخالها بعد ذلك إلى أرشيف الذات

أرشيف واضح للعيان وقابل للتداول والتأويل في أي لحظة من اللحظات، أكثر ما يشير إلى تلك الخزائن هي اللوحة التي تحمل اسم “خيار الجندي”، حيث تتراكم علب كرتونية بعضها فوق البعض الآخر حتى تصل إلى أعلى داخل الخزانة، إذ تظهر خوذة جندي متروكة إلى حال سبيلها. إلى جانب هذه اللوحة، ثمة ورقة مُلصقة على أحد جدران قاعة “آرت سبيس”، كتبت فيها الفنانة هذه الكلمات “أن يكون السلاح في منزل الجندي، فهذا يعني أن الجندي في فترة ‘مأزونية’ قصيرة، سُمح له خلالها بالاحتفاظ مؤقتا بسلاحه حفاظا على أمنه، على أن يعود قريبا إلى ساحة المعركة، ولكن ما الذي يمنع جنديا من مخالفة الأوامر والبقاء في البيت؟ قد يرى البعض قرار التخلي عن القتال عملا بطوليا، وقد يراه الآخرون تخاذلا”.

ونذكر لوحة أخرى تحمل عنوان “البطل” ليس فيها ما يدل على البطولة بشيء، غير ميدالية صغيرة مُعلقة بالقرب من آثار لمواقع صور فوتوغرافية انتزعت عن جدار الخزانة.

تكتب غادة زغبي في الكُتيب الذي رافق افتتاح المعرض، هذه الكلمات “لا بد من التوقف برهة والعودة إلى خبايا الذات بحثا عن أصل الصورة.. في معرضي، ‘أنظمة الشخصيّ’، أفتح أبواب الخزائن مشرعة لانطلق من أعماق الشخصي والحميم نحو العام والمشترك في محاولة لفهم العلاقة بينهما، لعلّي أكشف المخفيّ وأصوّب السؤال”. يحاول المُشاهد بدوره أن يفعل ذلك أيضا، غير أنه يجد نفسه يغرق في تداعياته الشخصية وفي نُدف من ذكريات عبرت، وكأنها لم تعبر يوما.

اعتمدت الفنانة على الألوان الزيتية في تشكيل لوحاتها، وقد أظهرت براعة كبيرة إن في بناء اللوحة أو في الملوّنات التي اعتمدتها. يُذكر أن هذا المعرض هو معرضها الفردي الأول مما قد يثير دهشة المُتلقي، فالتقنية العالية والواقعية التي رسمت بها الفنانة عناصر اللوحات تشي بخبرة طويلة في الفن، وليس أقل من ذلك أبدا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر