السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

أين العالم من ليلك يا فان غوغ

لا أحد يعلم كيف سيتم استخدام هذا الاختراع العظيم من دون شك، وأغلب الظن أنه لن تقتصر استخداماته على المُعلن عنه فقط، بل سيصار إلى استعماله 'شر استعمال'، تماما كأغلب الاختراعات البشرية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/31، العدد: 10231، ص(16)]

يتسم الليل بكل الألوان المُمكن تخيلها، هذا ما أخبرنا به العلماء ورواد الفضاء، وهذا ما أدركه الفنان الهولندي فنسنت فان غوغ قبل ما يقارب المئة والخمسين سنة، من دون أدلة علمية ولا أجهزة دقيقة مكّنته من الذهاب ببصره إلى ما هو أبعد من ليل العالم، أي إلى الليل المُقيم في لوحاته دائما، حتى في تلك الأشد صخبا وتلوينا.

كتب فان غوغ في إحدى رسائله التي اعتاد أن يرسلها إلى أخيه “غالبا ما أفكر أن الليل هو أكثر حيوية وألوانا من النهار”. يكفي النظر إلى أجمل لوحة رسمها “الليلة المُنجمة” حتى نتيقن أن المسافة التي تفصل بين حقيقة الظلام ومحدودية النظر الإنساني إنما تقع في وثبة الخيال، والجرأة على ركوب صهوة الشغف، بعيدا عن البلادة في رؤية المُسطحات وظواهر العالم الفيزيائي.

تدور وتثور في سماء فان غوغ الليلية نجوم تماثل الثقوب السوداء التي نجدها في الصور العلمية عن الفضاء الخارجي، ولكن مع اختلاف واحد، وهو أن لون هذه الثقوب “السوداء” هو أصفر متفجّر.

بث فنسنت فان غوغ، من خلال لوحته “الليلة المُنجمة” في ذاتنا اليقين الغرائبي، وشبه الصوفيّ، بأن اللون الأسود في منتهاه هو لون أصفر وصارخ. تمكن الفنان من جعلنا ننسى نظرية موشور الضوء “لإسحاق نيوتن”، والتي ترتب عليها اعتبار الأسود “غيابا للون”، وأن نقيضه هو اللون الأبيض الشامل لكل الألوان.

ها هو العلم اليوم يُصنع مادة سوداء سُميت بـ”الفانتا بلاك” لا تشبه لا سماء فان غوغ ولا سماء الكون العميق. صُنعت هذه المادة من ملايين أسلاك الكربون وتتميز بقدرتها على امتصاص 99.96 بالمئة من الضوء الذي تتعرض له، علما أنّ المواد السوداء أو تلك المطلية باللون الأسود والتي نعرفها تمتص الضوء بنسبة تتراوح بين 95 و98 بالمئة.

تذكرت هذه المادة المُصنعة بالثقوب السوداء الموجودة في الكون، لأنها قادرة مثلها على امتصاص أدنى بصيص ضوء تقريبا. فإن طلاء أي مسطح بها بات صعبا، إن لم نقل شبه مستحيل على العين البشرية تميز شكل المُسطح وماهيته. وتصبح تجربة النظر إليه شبيهة بالنظر إلى عيون الثقوب السوداء في الفضاء الخارجي.

يهدف هذا الاكتشاف العلمي “مبدئيا” إلى مساعدة الكاميرات المحمولة والمناظير وأنظمة الاستشعار على تصفية الأضواء الشاردة، كما يساعد على التقاط صور الأجسام الأبعد في الكون.

ومع ذلك، تكمن خطورة هذا الاختراع تماما في “مبدئية” الأهداف، حيث يحيلنا هذا الاختراع إلى ظروف ولادة جائزة نوبل للسلام التي وضعها العالم الفيزيائي الكيميائي ألفرد نوبل، المُلقب بـ”بائع الموت”، وذلك بعد اختراعه للديناميت، ومواد متفجرة أخرى.

ربما كانت لهذه الاختراعات أهداف سامية، حسب ما هو متعارف عليه، مثل وضعها في تصرف الاستخدامات الطبية، غير أن البشر، ولا أقول بالفطرة، استطاعوا تحويلها إلى عكس ما كُرّست له.

لا أحد يعلم كيف سيتم استخدام هذا الاختراع العظيم من دون شك، وأغلب الظن أنه لن تقتصر استخداماته على المُعلن عنه فقط، بل سيصار إلى استعماله “شر استعمال”، تماما كأغلب الاختراعات البشرية.

الثقوب السوداء الضاجة باللون الأصفر وتدرجاته التي تزخر بها لوحات الفنان فان غوغ لا تشبه بشيء “الفانتا بلاك”، مثيل الثقب الأسود، الذي اخترعه العلم المعاصر.

وإذا كانت الأولى تخطف الناظر إليها إلى المقلب الآخر من العالم، مع كل ما يمكن أن يعني هذا التعبير من روعة، حيث يفرج النور عن أساريره، فإن الثانية مُرشحة أن تأخذه إلى زوبعة بكماء من صنف آخر أخطر من هذه التي تمتص الشرق الأوسط بأكمله. هذه الزوبعة القائلة إلى كل من دخل إليها “كل مشهد خارج حدودي هو مرئي، وكل صرخة هي مسموعة وصاحبها له وحده الحق بالوجود”.

وفي المقابل، ليس للعتمة الكلمة الأخيرة، إذ “ليس للضوء معنى خارج علاقته بالظلمة، نحن موجودون على ذمة هذا الصراع، موجودون في الحيز الذي يتعارك فيه الأسود مع الأبيض حتى انتصار الأخير”، هكذا قال وأحسن قولا الشاعر الفرنسي لوي أراغون.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر