الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

المغدورون الجدد: أردوغان نموذجا

أردوغان يقف اليوم وحيدا، فالغضب الشعبي يلتهم من شعبيته، وانقلاب الدواعش عليه بات يرتسم في أحياء إسطنبول وأنقرة، فيما بات حلم 'الدولة الكردية القومية الكبرى' أقرب إلى اليوم من أي وقت مضى.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/04/02، العدد: 10233، ص(8)]

أن يبدأ الرئيس الأميركي باراك أوباما ولايته الرئاسية الأولى بزيارة استثنائية إلى تركيا كأوّل دولة مسلمة في جولاته الدبلوماسية الاستراتيجية، وأن تنتهي ولايته الرئاسية الثانية بإدارة ظهر علنية وصارمة حيال أردوغان وانتقاد واضح لأداء السلطان ولمسلكية حكومة أحمد داودأوغلو، دليل ساطع على أنّ حبل الودّ بين أنقرة وواشنطن فتر ويكاد ينقطع.

وعلى عكس ما أدلى به أوباما حول سعي أنقرة إلى توريط واشنطن في حروبها الطائفية في المنطقة، كانت أميركا تعمل على توظيف تركيا في استراتيجيتها بالشرق الأوسط وكانت تستفيد من دور الوكيل الذي كان يلعبه أردوغان للأصيل الأميركي.

ذلك أنّه عند نشر الدرع الصاروخية الأطلسية لكبح الجماح الروسي الإيراني في المنطقة كانت تركيا تمثل بيضة القبّان في هذه الاستراتيجية تأسيسا على موقعها الجغرافي المتاخم لإيران وللاتحاد الروسيّ.

وعلى الرغم من الانعكاسات السلبية لنشر الرادارات الهجومية على الأرض التركية في مستوى العلاقات التركية الإيرانية، إلاّ أنّ أردوغان قبل بالمهمة متجاهلا إمكانية التحالف الأميركي الإيراني تحت عناوين الاتفاق النووي والتوافق حول سوريا، وأن يستحيل بهذا الأمر ورقة ضغط أميركية على طاولة المقايضة بين طهران وواشنطن.

تركيا أردوغان كانت أيضا جزءا أساسيا من المحاولات الأميركية لفرض منطقة آمنة في الشمال السوريّ التي أصبحت بمقتضى التدخل الروسي في الشام صراع كسر عظام بين موسكو الرامية إلى فيدرالية وفق المعادلة الروسيّة، وبين واشنطن الساعية إلى تقسيم إثني طائفي يستبدل الأوطان بالأديان والمواطنة بـ“الهويّات” الطائفية العنيفة.

عجزت تركيا عن تأمين الشمال السوريّ على الرغم من التحالف المباشر والعلني بين أنقرة والجماعات الإرهابية، فما كان من موسكو وواشنطن إلا أن اتفقتا على “التقسيم الناعم” وفق مقولة “كردستان سوريا وعرب الشام” وترك أردوغان يبتلع كأس السمّ؛ دولة كردية مستقبلية تقضم الجزء الشرقي من الأناضول، وجماعات تكفيرية إرهابية تقوض الاستقرار وتدفن السياحة وتجهض مقولة العيش المشترك إلى حين.

لم تكن تركيا أيضا بعيدة عن محاولات واشنطن تأهيل الإخوان المسلمين بعد أحداث 3 يوليو 2013 وذلك قصد تحضيرهم ككتلة سياسية موحدة، إما للانقلاب الناعم على ظهر مظاهرات نصفها غضب شعبي ونصفها الثاني مأرب حزبي، أو لتسوية سياسية كبرى مع القاهرة تعيد الإخوان للشارع وللوجود الحزبي وهو بدوره انقلاب على مطلبية ثورة يوليو 2013.

فشلت تركيا في المحافظة على الكيان الإخواني بعد اندلاع حروب الإخوة وانشقاق الجماعة إلى جماعات متباينة، وفي الأثناء أبرمت واشنطن مع القاهرة صفقات مالية ونجحت مصر في تجاوز مثبطات الشرعية التي وضعها أنصار الإخوان في المنتظمات الإقليمية والدولية، فيما تبحث أميركا اليوم عن إدراج الإخوان على قائمة الجماعات الإرهابية.

تؤكد المقولة التحليلية للعقل الأميركي استحالة وضع واشنطن بيضها السياسي في سلة واحدة، وتشدد على أن الثابت الوحيد لدى الفاعل الأميركي كامن في عدم الثبات على أي لاعب إقليمي ومحلي، وأن استبدال المواقع والمحاور جزء من منظومة “الغموض البناء” المعتمدة من طرف أميركا على مدى أكثر من قرن من الزمان السياسي على الأقل.

بعد 5 سنوات من الانخراط التركي الكامل بإيعاز أميركي في المستنقع العربي، تنتصب تركيا كمعقل للدواعش والجماعات الإرهابية في المناطق الحدودية مع سوريا على الأقل، وكدولة واقفة على شفا تقسيم إثني خطير بلا عمق استراتيجي بعد أن أثارت العداءات مع جيرانها وعقب شبه إقصائها من العضوية المحتملة في النادي الأوروبي، فيما يحفل سجلها الحقوقي والمدني بانتهاكات خطيرة في حقّ الصحافة والإعلام والقضاء.

وكما عاش الشاه آخر أيامه وحيدا، يقف اليوم أردوغان وحيدا، فالغضب الشعبي يأكل الشارع ويلتهم من شعبيته، وانقلاب الدواعش عليه بات يرتسم في أحياء إسطنبول وأنقرة، فيما بات حلم “الدولة الكردية القومية الكبرى” أقرب إلى الأكراد اليوم من أي وقت مضى. في الأثناء يحزم الأميركان حقائبهم لمغادرة قاعدة أنجرليك مطالبين الرعايا الأميركان بالمغادرة السريعة والسياح بتأجيل الزيارة إلى وقت لاحق. ألم نقل بأنّه آخر المغدورين ولن يكون الأخير… للأسف.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر