الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

المادة 89

المادة منافية لمضامين الدستور الجديد، ولكن ماذا يفعل الكاتب أو الفنان أو المفكر أو الباحث أو المواطن العادي إذا كان هناك من يربط كل تفاصيل الحياة بالدين، ويجعل من نفسه وصيا على ضمائر الناس.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/04/03، العدد: 10234، ص(24)]

قدر مصر أن تكون الرائدة عربيا، وقدر العرب أن يتأثروا بالشقيقة الكبرى إيجابا أو سلبا، ومن الطبيعي أن يكون العقل والوجدان العربيّان في جزء مهم منهما نتاجا للإبداع المصري أدبا وفنّا وإعلاما.

وفي المقابل، أن يتراجع الإبداع في مصر، فذلك يؤدي حتما إلى أزمة في الثقافة العربية، وأن يُحاصر العقل المبدع المصري بمادة في القانون الجنائي، تستهدف الكتّاب والشعراء والفنانين والمفكرين والصحفيين بتهمة هلامية اسمها ازدراء الأديان، وتقود شاعرة كفاطمة ناعوت، وروائيا كأحمد ناجي، وباحثا كإسلام البحيري إلى السجن، وترمي بأربعة أطفال خلف القضبان لأنهم استهزؤوا من تنظيم “داعش” بتقليدهم ضمن تسجيل لا يتجاوز عشرات الثواني لصيحات قاطعي الأعناق.

الأمر حينها، يصبح في حاجة ماسّة إلى مراجعة المادّة 89 أو إلغائها، حتى لا تكون حصان طروادة الذي يستعمله المتطرفون والباحثون عن الشهرة والفرقعات الإعلامية ومحامو المقاولات الإخوانية والتكفيرية، أداة لتشويه مناخ الحريات ولضرب سمعة البلاد وبثّ الرعب في قلوب أصحاب الفكر وصانعي الجمال وبناة الحضارة.

تنصّ المادة المذكورة على أن “يعاقب بالحبس مدّة لا تقل عن ستة أشهر، ولا تجاوز خمس سنوات، أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه، كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأيّ وسيلة أخرى لأفكار متطرفة”.

إلى هنا قد يبدو الأمر قابلا للفهم والتفهم، رغم أن هذه المادة منافية لمضامين الدستور الجديد، ولكن ماذا يفعل الكاتب أو الفنان أو المفكر أو الباحث أو المواطن العادي إذا كان هناك من يربط كل تفاصيل الحياة بالدين، ويجعل من نفسه وصيا على ضمائر الناس، مثلما حدث مع الشاعرة والكاتبة فاطمة ناعوت عندما أشفقت بروحها الشاعرة على الخرفان في يوم عيد الأضحى، فكتبت عشر كلمات في ذلك على موقع التواصل الاجتماعي، لتجد نفسها متّهمة بالإساءة إلى الإسلام، ورغم اعتذارها الذي وصل إلى 500 كلمة، صدر فيها حكم ابتدائي بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، أيده حكم استئنافي الخميس الماضي؟

قبل عقود، كانت مصر، تبث في قلوب وآذان العرب أصوات أم كلثوم وعبدالوهاب ونجاة وعبدالباسط عبدالصمد، وتهدي إليهم مؤلفات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين، وأفلام أحمد رمزي وشادية وعماد حمدي وعادل إمام وغيرهم..

وكانت تجمعهم حول مشروع قومي مستنير وتقدمي وإنساني، فلم نكن نرى ما نرى اليوم من إرهاب وتطرف وظلام وتكفير، وعندما تراجع دورها، وصل العرب إلى ما وصلوا إليه اليوم، لذلك باتت مصر مدعوّة اليوم إلى أن تعود إلى ريادتها الفكرية والثقافية والفنية والإعلامية، حتى تقطع الطريق أمام قُطّاع طرق الحضارة، ممن لا همّ لهم، إلاّ نشر الظلمات، وتدمير الوجدان، وبث الخوف في المختلف، ولو عبر مادة قانونية لم يتم الانتباه إليها، إلاّ عندما أريد لها أن تستعمل في غير موضعها.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر