الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

منتهى السخف منتهى الجمال

في إنكلترا قد يجلس رجل إلى جانبك في الحافلة ويفتتح حديثه بحكمة خالدة.. فتؤمن على قوله بهزة رأسك هزة العارف الفاهم العميق.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/04/05، العدد: 10236، ص(24)]

الطفولة هي التاريخ نفسه. وعندما كنا صغارا كان عندنا وعيان أو طبقتان من الوعي. الأول يقول إننا نعرف كل شيء بثقة ووضوح، والثاني يجعلنا نتعلم كثيرا ونصغي وننصاع. تناقض غريب ومعرفتان متجاورتان في دماغ واحد. ربما مثل الـ”رام” والـ”هارد درايف” في الكمبيوتر الواحد، معرفتان مختلفتان ومتجاورتان.

في تلك الأيام قال مدرس اللغة العربية إن أسخف بيت عرفه الشعر العربي هو الذي يقول:

كأننا والماء من حولنا

قوم جلوس حولهم ماء

لكني لم أر في البيت مجرد سخف. معناه جميل وفيه شيء مناكف ومتحرر ومبتسم. وبهذا تحقق لي شيء رائع بالاستمتاع بهذا البيت. انفتحت أمام مداركي لذاذات السخف الجميل.

عرفت معنى الدادائية دون أن أعرف اسمها ودون أن يعرف الشاعر نفسه لها اسما، كحركة فنية شكلت افتتاحية الفن الحديث في القرن العشرين. في بيت ابن سودون (وهو شاعر من العصر المملوكي) هذا احتفال بالسفه وتحطيم أيقونات وبهجة بإنتاج شيء مضاد للشعر. يشبه تماما ما قام به دوشامب من جعل المبولة لوحة ورسم شوارب على وجه موناليزا عملا فنيا.

إنه الهزء بالفن الذي حرر أوروبا من قرون مضت. هذه هي الدادائية. هذا هو السخط العارم من الحرب العظمى وتفاهتها الذي شكل بداية القرن العشرين الحقيقية. بيت ابن سودون خالد لأنه ثورة حقيقية على الشعر واستهزاء بمفهوم المعاني.

فتح هذا البيت الطريق أمامي لأستمتع في ما بعد بأشعار حسين شفيق المصري وأغاني أحمد عدوية وحتى بدايات شعبان عبدالرحيم الواعدة. عجائب السخف والسفه لا تنتهي. شعبان عبدالرحيم غنى في بداياته معاتبا صديقا كذابا اسمه خيشة:

كداب يا خيشة خليك حنيّن

زعّلت منك حتى المزيّن

وهذا معنى جميل جدا وسخيف جدا. ومن ينسى “سلامتها أم حسن” و”السح الدح امبو” لأحمد عدوية. ويظل شعر حسين شفيق المصري به حلاوة ومشاكسة. هو شاعر كبير يكفيه فخرا أنه كتب ما أسماه “المشعلقات السبعة”. لا أنسى كيف مرغ معلقة لبيد في التراب ظافرا مبتسما دون لؤم إذ قال: لزينب دكانٌ بحارة منجدِ. وحارة منجد هذه في باب الشعرية بالقاهرة.

وهناك أمثال مصاغة كالحكمة لكنها لا تقول شيئا. تسمع الكثير منها في المواصلات العامة لسبب لا أعرفه. في إنكلترا قد يجلس رجل إلى جانبك في الحافلة ويفتتح حديثه بحكمة خالدة إذ يقول بصوت من اتخذ قرارا لا رجعة فيه، “الكلاب ليست قططا” فتؤمن على قوله بهزة رأسك هزة العارف الفاهم العميق. أليس هذا ترجمة لـ”كأننا والماء من حولنا/ قوم جلوس حولهم ماء”؟

على أي حال تذكرت وأنا أكتب بيت شعر جميل وسخيف قاله صديق أيام الجامعة كان يحب فتاة ويشبب بها البيت، يقول:

ما باله لا يبتسمْ كأنه سوريالزمْ

يا للجمال ويا للسخف.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر