الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

أجساد ورقية

كنت غالبا ما أعتبر تهاون بعض أصدقائي الروائيين والنقاد والشعراء والباحثين في إيلاء العناية الضرورية لأجساد كتبهم ضربا من العدمية التي يؤدون ثمنها غاليا.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/04/06، العدد: 10237، ص(15)]

الكتب كالأجساد تتطلب عناية بالمظهر للبروز بين الناس، وبحاجة إلى مساحيق، وحلي، وأردية رفيعة، في النهاية ليس كافيا أن تكون جميلة أو عميقة أو بليغة، ثمة ضرورة حاسمة لبلاغة مظهرية، تضحى عنوانا على الذوق والرفعة والعبقرية المضمرة وراء الغلاف، لهذا يمكن أن نصف كتباً شديدة التأثير والعمق بالبداوة، لأنها ترتجل أغلفتها كيفما اتفق، فالأساس هو السّتر، شيء شبيه بأردية السلفيين الخانقة للأجساد، كما يمكن أن توحي لنا كتب أخرى بالأناقة بالنظر إلى شكل الغلاف وتصميم صوره وخطوطه ونوعية الورق المستعمل ووزنه وسعره، وهو مظهر يكون أول ما يلفت الانتباه بالنسبة للكتب مثلما تكون الألبسة هي ما يلوي أعناق الناظرين في الشارع. وهكذا قد تجد أمامك، عزيزي القارئ، صيغا عديدة من ألبسة الكتب، تستعير صورتها من سجايا الأجساد المظهرية تراوح ما بين المحجوبة والمنقبة والجريئة والفاضحة والفقيرة والباذخة والحداثية والهوت كوتير.

وفي هذا السياق تحديدا، كنت غالبا ما أعتبر تهاون بعض أصدقائي الروائيين والنقاد والشعراء والباحثين في إيلاء العناية الضرورية لأجساد كتبهم ضربا من العدمية التي يؤدون ثمنها غاليا، ذلك أن مجهودا كبيرا يقذف به في القمامة، حيث تبدو تلك المصنفات في النهاية كسقط متاع غير جدي ولا جدير بالاهتمام، إذ لا يمكنك، عزيزي القارئ، مثلا أن تهدي كتابا بهيئة رثة (مهما كانت قيمته الفكرية أو الأدبية) لشخص عزيز، سيعتبرها دعابة سمجة، كما لا يليق أن تقدم كتبا بأغلفة تشبه الملابس المستعملة بوصفها جوائز تحفيزية للمتفوقين من التلاميذ والطلبة، فالمطلوب في الجائزة أن تكون نفيسة وزاهية.

أستحضر هنا، مفارقة عجيبة لفتت انتباهي في سنوات مبكرة من دراستي الجامعية، حيث كنت مفتونا بناقد مصري عبقري هو المرحوم شكري محمد عياد، بدا لي شبيها إلى حد ما بأسماء كبيرة في النقد الغربي من عيار تزفيطان تودوروف وجيرار جينيت وريموند ويليامز، لكنه لم ينل حظه من الشهرة التي يستحق، وكنت دائما ما أرجع محدودية تأثيره، إلى تلك الطباعات والحلل الفقيرة التي يخرج بها كتبه، ورق من الدرجة الرخيصة، وأغلفة من لون واحد أبيض أو أزرق مثلا، بخطوط صادمة، دون أي لمسة جمالية في التصميم، بدت كتبه أشبه ما تكون بالدفاتر المدرسية القديمة، صادرة عن دور نشر مغمورة من مثل “أصدقاء الكتاب” التي نشرت دراسته عن “موسيقى الشعر العربي”، و”اللغة والإبداع”، أو “دار إلياس العصرية” التي نشرت كتابه الرائد”دائرة الإبداع”، وهي دور صغيرة ومحدودة الانتشار، ولا نكاد نعثر على مطبوعات أخرى لها من قيمة كتب ناقدنا الكبير.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر