الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

سارق الوقت

بات من واجب العرب مجتمعين أن يتفقوا في ما بينهم على اتخاذ موقف موحّد ضد مخاطر انفلات مواقع التواصل الاجتماعي حتى لا تتحوّل إلى تهديد فعلي للأمن القومي.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/04/06، العدد: 10237، ص(24)]

أوافق جدا ما دعا إليه النائب في البرلمان المصري جمال عبدالناصر بضرورة وضع معايير وضوابط لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، عندما قال إن "البعض تجاوز الخطوط الحمراء في هذه المواقع التي باتت تمثل في جانب منها اعتداء على الحريات وبذاءات وشتائم وقلة أدب".

قبل عامين، كنت كتبت في هذه الزاوية، أن لا مستقبل لوطن يحكمه الفيسبوك، وقد انطلقت في ذلك من متابعتي لما تعيشه بعض المجتمعات العربية التي عصفت بها رياح الفوضى الخلاقة فباتت مسامّها مفتوحة على كل أشكال وأنواع الفيروسات الخبيثة والخطيرة تحت شعار الديمقرطية، وبمرور الوقت تأكدت، وقد يكون غيري تأكّد أيضا، من أن صفحات التواصل الاجتماعي أضحت في جانب كبير منها وسيلة تدمير للعقل وتخريب للوجدان وتعميم للجهل وترويج للتطرف والتخلّف، كما حوّلها المضطربون فكريا ونفسيا إلى فضاءات مفتوحة لنشر الأكاذيب والأباطيل التي تجد للأسف من يصدقها، وأحيانا من يعتمد عليها في بلورة قناعاته ومواقفه، بل وصرنا نرى مساحات مخصصة للتحريض والتأليب والتجييش المباشر ضد هذا البلد أو ذاك وضد هذا النظام أو ذاك وضد هذا المسؤول أو ذاك، وكذلك للتكفير والتخوين والإقصاء وحتى للترويع ونشر الكراهية بين الجهات والفئات والمذاهب والأديان والشعوب.

وإذا كان سارق الوقت هو أخطر وأسوأ اللصوص على الإطلاق لأنه يسرق شيئا غير قابل للتعويض، فإن الفيسبوك مثلا، بات المتهم الأول في هذا المجال، فقد أكدت دراسة أميركية حديثة أن مستخدمي فيسبوك في الولايات المتحدة يقضون في المتوسط 42 دقيقة يوميا من عمرهم في تصفح الموقع الإلكتروني، أي بواقع خمس ساعات في الأسبوع تقريبا.

هذا بالنسبة إلى الأميركان أما بالنسبة إلينا فالأمر أخطر، فهناك من بات يقضي الساعات يوميا أمام صفحات التواصل الاجتماعي، وهناك من حوّلها إلى منصة للتحيّل والابتزاز والنصب على المرضى مثلما حدث في المغرب أخيرا، وفي الأردن أظهرت الأرقام أن عدد حالات الطلاق بسبب وسائل الاتصال الحديثة تقدمت على حالات الطلاق الناتجة عن بقية الأسباب بحسب نتائج دراسة علمية أجراها الدكتور محمد الزعبي من دائرة الإفتاء العام، وفي تونس باتت الحكومة، تقضي جزءا مهما من وقتها في تكذيب الأخبار الزائفة التي تُنشر على صفحات الفيسبوك، كما بات كل شيء فاقدا لقيمته وأهميته نتيجة التسيب اللفظي واللغوي والسياسي.

وعندما يدعو برلماني مصري لضرورة تقنين التعامل مع الفيسبوك وتويتر، فلأن هناك إشارات حقيقية بأن المجتمع في خطر، وقد يكون بات من واجب العرب مجتمعين أن يتفقوا في ما بينهم على اتخاذ موقف موحّد ضد مخاطر انفلات مواقع التواصل الاجتماعي حتى لا تتحوّل إلى تهديد فعلي للأمن القومي، فأمتنا ليست مهيأة لانفلات أكثر خصوصا عندما يمس عشرات الملايين من البشر.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر