الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الحب، ملاكا متعثرا في اللوحات

ليس الحب في أفضل حال عندما تعثر عليه من خلال “غيابه” في لوحات أخرى. أنت لا تجده، بل تستشعر وطأة غيابه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/07، العدد: 10238، ص(16)]

قال الفنان هوغو سيمبرغ عن إحدى لوحاته التي جرى على تسميتها لاحقا بـ”الملاك الجريح”، إنه أراد عبر عدم تسميتها أن يفتح باب التأويل على مصراعيه أمام الناظرين إليها. يظهر في اللوحة ولدان يلبسان الأسود يحملان على حمالة خشبية ملاكا صغيرا، مكمم العينين ومجروح الجناحين، إلى وجهة مجهولة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من مئتي سنة، أرى في هذه اللوحة رمزا عظيما لتعثر الحبّ المتمثل بالجريح مُكمم العينين كما “كوبيد” ملاك الحبّ، في لوحات عصر النهضة.

لم يعد الحبّ يملك أجنحته، هي الآن جريحة وتتلاشى بعيدة عنه وهو يمضي بعيدا عنها في متاهة التحولات المعاصرة. ربما لذلك أضاع الحب طريقه إلى اللوحات، بعدما أضاع الدفء طريقه إلى القلوب. إن وجد الحبّ سبيله إلى اللوحات فهو غالبا ما يكون مهيضا وباحثا عما يعيد إلى أجنحته خفّة الخفقان.

لا يظهر الحبّ في معظم اللوحات العربية المعاصرة إلاّ مصدّعا بالتباعد أو الجفاء الذي يعيشه الطرفان العاشقان. ترى الحبّ في معظم لوحات الفنان بهرام حاجو يمدّ جسورا لونية ضئيلة، يحاول عبرها ردم المسافة القائمة بين العاشقين، أو يحاول تمويه ملامحهما ونظراتهما المثقلة بالشعور بالذنب أو الوحشة بألوانه السحرية. أما في معظم لوحات الفنان إسماعيل رفاعي والفنان عمران يونس فيظهر الحبّ مسكونا بحزن عميق ومرصودا على التفتت القادم لا محالة.

ليس الحب في أفضل حال عندما تعثر عليه من خلال “غيابه” في لوحات أخرى. أنت لا تجده، بل تستشعر وطأة غيابه. غياب يترتب عليه إقصاء للون لتحل مكانه العتمة بنفوذها المطلق.

فالحب هو الغائب/ الحاضر دوما في لوحات الفنان صفوان دحول، وهو “الشبحي” الصامد في أعمال الفنان نهاد الترك، وهو الذي يصل صليله المؤلم في لوحات الفنان العراقي صادق الفراجي، حيث يهيم مخلوقه الأسود في فضاء لوحته بحثا عمن يلفظ اسمه ويفتح له ذراعيه.

ويبقى حلول الحب في هذه اللوحات أفضل حالا من ظهوره مُكبّلا بأصفاد الضرورة والتلاحم الخانق الذي لا يعكس إلاّ انتفاء القدرة على الوجود دون الآخر، نعثر على هذا الصنف من الحب في لوحات للفنانة ريما سلامون المغسولة بالقلق.

كانت ثيمة الحب “المُجنح”، إذا صح التعبير، حاضرة في اللوحات العربية الحديثة وفيها الكثير من الصوفية والحسّية على السواء وتتمتع بنكهة مشرقية تفوح منها عطور التوابل والورود.

من تلك اللوحات ما اتسم بالمباشرة كالعديد من لوحات الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط، حيث امتزج حب الأرض بكل أنواع الحب البشري، ومنها ما تمتع بغموض آثر صعّد من نبرة الشغف المتخالط مع حروفية وزخارف تحيل إلى حميمية إنسانية، كمعظم لوحات الفنان السوري الراحل نذير نبعة، حيث الحب نبرة، ولكن شديدة العمق، وحيث اللهفة نظرة، ولكن كثيرة البوح.

ساهم الانفتاح على المجتمعات الغربية، كما ساهمت الأزمات المتواصلة التي يعيشها الفنان العربي المعاصر في ولادة لوحات ينتفي فيها الحب “المتورّد”، ليترك فراغا هائلا تكهربه الأسئلة حول المصير والهوية، والإحساس بالفقدان.

الأمر ليس مماثلا عندما ننظر إلى اللوحات الغربية المعاصرة، فمعنى الحب تحول في واقع المجتمع الغربي وليس بسبب الحروب والهجرات القصرية والجوع، كما تغير أسلوب التعبير عنه.

يمكن اختصار الموقف حيال هذا التحول عبر ما قالته الفنانة هيتي دوغلاس التي أقامت معرضا تناولت فيه سطحية وهشاشة الحب العصري، تقول الفنانة “في هذا المعرض أحاول استيعاب ما تعني العلاقة الغرامية العصرية، أجدها غريبة جدا ومثيرة للاهتمام، شديدة، ولكن سامة، فيها المرح والهشاشة وقدر فظيع من المرضية”.

سامة هي معظم علاقات الحب التي تتسم بالمعاصرة، وهي ربما على مستوى السموم التي تطلقها نحو المشاهد، نظرة أحد الصبيين في لوحة الفنان هوغو سيمبرغ، وهو منهمك بحمل الملاك الجريح إلى وجهة مجهولة. وجهة قد تكون مجهولة له، ولكنها في عين الناظر إلى اللوحة ما هي إلاّ المكان الذي وصل إليه مفهوم الحب المُتعثر في اللوحات المعاصرة.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر