الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

كارلا سالم شاعرة الورق والحوار النبيل باللون والحرف

  • فتحت صالة “أجيال” البيروتية أبوابها لفترة لا تقل عن أسبوعين لكارلا سالم وأعمالها الورقية الرقيقة، تقديرا منها لخصوصية الورق وشاعريته حينما تصنعه يدا فنانة أدركت بدورها أن الورق يمكن أن يكون حامل الكلمات، والكلمات المحمولة في الآن ذاته، أكثر من مئتي عمل ورقي جمعتها الفنانة تحت عنوان واحد “حوار بصوت واحد”، عنوان يفشي الكثير عن ماهية المعرض وأجوائه الخاصة جدا.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/07، العدد: 10238، ص(16)]

منطق ياباني بوهج الحروف العربية

بيروت ـ أول ما يقابل زائر معرض “حوار بصوت واحد” للتشكيلية اللبنانية كارلا سالم بصالة “أجبال” بالعاصمة اللبنانية بيروت، هو هذا الالتباس الشعري ما بين الورق “الحيّ” الذي صنعته يدا الفنانة والكلمات والأحرف المخطوطة على سطحه.

من هو الأهم؛ الكلمة أو حاضن الكلمة؟ ما يلبث الزائر أن يكتشف أن محور العمل المعروض بمجمله ليس هو فنية الأعمال المعروضة، بقدر ما هو الصلة التي تجمع بين الاثنين، أي الورق والكلمات، وتبادل الأدوار البطولية بينهما كل واحد منهما في الحيّز والزمن الذي خصصته له الفنانة.

الماء ووعاؤه

ربما يذهب ذهن الزائر إلى أبعد من ذلك ليتخيل أو يتمنى للحظات أن كل التناقضات التي يعيشها هو، أو يتخبط فيها وطنه قادرة على أن ترتقي إلى هذا التلاقى النبيل الذي لا يرجو ولا يسعى فيه أي طرف من الأطراف، للقضاء على الآخر.

هذا ما سيشعر به زائر المعرض بعد فترة قصيرة من وجوده فيه، أي عندما يغوص شيئا فشيئا في الماء الصامت المُتمثل ليس في تزاوج، بل في تلاق لأحرف يابانية بأحرف عربية، اختلاف شديد وتجاور نبيل يشعّ توازنا خارقا.

تصف كارلا سالم بالكلمات التالية هذا التلاقي كمن يصف لقاء عاطفيا تغيرت بعده مجمل فصول حياته “كنت أنظر إلى هذه الأوراق من خلال النور، لأرى وأكتشف أساطير وحكايات.. كتبتها أو أكملتها.. لم أدر حينها ما كنت أشعر.. هل كانت نار تحرق الورقة عندما أكتب عليها؟.. لا أعرف.. ولكن.. كل ورقة صنعتها كانت تقول لي، تحادثني، كانت تهمس برفق”.

ثمة حالة تُقارب الصوفية تشكلت عبرها كتابات الفنانة على ورق يرتجف من تحت أصابعها، فهي قد امتصت رحيق الثقافة اليابانية المُقدّرة للصمت والسكون والمتمثلة في الرضوخ لفكرة هشاشة أشياء العالم وعبور فاضمحلال اللحظات، بالكثير من القبول القدري/الشعري.

تبنت الفنانة هذا المنطق “الياباني” وسقته بوهج الحروفية العربية التي لا تقل صوفية وشعرية، تبنّت هذه “الطريقة” وعكفت على تنمية جذورها، وأغصانها وأوراقها فظهرت مخطوطتها، شذرات من نفس أصغت مليا إلى أدنى إيقاعات العالم، قبل أن تلوثه الضوضاء والفوضى البشرية.

كارلا سالم: كل ورقة صنعتها كانت تقول لي، تحادثني، كانت تهمس برفق

ضوء وورق

ليست اللغة اليابانية كما الثقافة اليابانية هي شائعة في هذا الجزء من العالم الذي نحيا فيه، لذلك قد يكون من الصعب استيعاب جوهر الأعمال المعروضة، أو حتى جدواها، من دون تقديم أو توصيف وإن بسيط لحيثيات وعناصر العمل الذي قدمته كارلا سالم.

أمضت سالم سبع سنوات في اليابان بعد أن نصحها بذلك أستاذها الحروفي والفنان اللبناني المُبتكر سمير صايغ، وذلك بعد اقتناعه بأن الفنانة بحاجة إلى دفع جديد يعمّق ويصقل من حساسيتها تجاه الورق كحضور حيّ يتأثر بأدنى نقطة حبر يتلقاها، فالورق بالنسبة إلى الفنان سمير صايغ وبالنسبة إلى تلميذته كائن نزق بشخصيات متعددة وأمزجة متباعدة لا يمكن تجاهلها، إن هو أراد التعامل معها.

خلال بقائها في اليابان عمّقت الفنانة معرفتها باللغة اليابانية والثقافة اليابانية على السواء، ومن ثم وظّفت خبرتها في أعمالها الفنية التي مزجت فيها الأحرف اليابانية والخطوط والأحرف العربية، فجاءت “المدّات” وترويسات الأحرف العربية بمثابة تتويج مُرهف لمجمل الأحرف اليابانية، التي ربما هي في عين الناظر العربي غير المتقن للغة اليابانية أشبه بأعمدة مغروسة متباينة السماكة، تتخللها نوافذ مُتفلتة الأطراف وزائغة الأبعاد.

اشتغلت الفنانة لوحاتها الحروفية على أوراق “واشي” صنعتها بنفسها بعد أن تمعّنت، بتأثرها حين ترّق أو تتكثف بالضوء المحيط، غير أن ثمة أمرا آخر كان على الفنانة الانتباه إليه، وهو أن الأحرف والكلمات التي اختارت أن تخطها على هذا النوع من الورق شديد التأثر بالضوء، تتغير أطوارها وتتبدل سطوة حضورها حسب تعاظم أو خفوت الضوء القادم من خلف الورق، إذ إن يرقّ حرف أو كلمة حتى يكاد أن يتلاشى ليظهر ما هو مخطوط في خلفيته من حرف أو كلمة أخرى، وأحيانا يحدث العكس، لذا وجب على الفنانة أن تدرس الاحتمالين لتبني على أساس ذلك نصها البصري.

حول هذا الورق الخاص جدا تكتب الفنانة “سنة 2005، بدأت أتعرف على الورق الحقيقي وصناعته الشاقة التي تستدعي الفصول الأربعة لنتاج سنوي.. مضن ولكن راق وحيّ، نتيجته تستوحي وتُوحي في الوقت عينه، يُصنع الورق من شجرة التوت التي تُدعى “كوزو” باليابانية، ويحوي هذا الورق عروقا طويلة تجعله متماسكا وصلبا ذا استعمالات عديدة داخل البيوت من أبواب وأدوات إنارة ونوافذ..”.

الأعمال التي اختارت تقديمها الفنانة، هي نوع من التأكيد على ترافق أعمالها الفنية، مع دراستها وأبحاثها حول صناعة الورق وعلاقتها بالطباعة الحريرية.

يُذكر أن كارلا سالم حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة طوكيو للفنون، ورسالة الدكتوراه التي قدمتها كانت حول الطباعة المطلية والمصقولة عبر استخدام ورق مُصنّع يدويا.

وفي النهاية، إذا كان كل حوار المُراد منه الوصول إلى نوع من التفاهم عبر سلسلة، أو أقل، من التنازلات المُشتركة، فالحوار الذي قدمته لنا كارلا سالم في أعمالها لا يطلب إلاّ أن يحاذي كل عنصر في العمل الفني، العنصر الآخر، دون أن يتخلى عن أي من مواصفاته، بل يبقى ويشعّ بصمت، وهو في أوج اختلافه عنه.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر