الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الفلوجة المسكوت عنها

الإعلام العراقي انشغل عن الفلوجة بخطب حيدر العبادي ووزرائه، وبخلافات السياسيين ومعاركهم الضارية لبناء السلطة والجاه، وليس لبناء الدولة العراقية.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/04/09، العدد: 10240، ص(9)]

الفلوجة، مدينة المآذن والرجال، وأهل الكرم والمضايف، فتحت أبوابها على مر الزمن في أحلك الأزمات لضيوفها بشهامة الرجال. مدينة المقاومة ضد الاحتلال التي أرعبت الجيش الأميركي وذل جنودها وآلاتها التدميرية في شوارعها، هذه المدينة المسكوت عنها عراقيا وعربيا ودوليا، تتعرض اليوم لإبادة جماعية في حرب حصار مفتعلة وإعدام جماعي بالتجويع، وتهديم البيوت على ساكنيها من الأطفال والنساء والشيوخ في مشاهد غير إنسانية لا مثيل لها في التاريخ. فهي تتعرض لنارين: داعش الإجرامي في تفننه في قتل البشر بوحشية، واستخدام أهلها كدروع بشرية ومنعهم من الخروج خارج المدينة، ونار الحكومة العراقية، وهي تبتكر أساليب الموت البطيء في حل أزمتها، وغلق منافذ الحياة والغذاء والدواء بحجج غير واقعية.

لا أدري لماذا الإصرار على السكوت لموت أطفالها وشيوخها ونسائها بهذه الطريقة السادية المرعبة، وكأنها مدينة غير عراقية في المولد والتاريخ والجغرافيا، بل إنها تعاقب مع سبق الإصرار رغم أنها صُودرت إرادتها بالعنف والتهديد من داعش الإرهابي، دون أن تكون لأهلها مسؤولية احتلال أراضيها؟ أليست الدولة المريضة في زمن نوري المالكي هي التي أهدت الأرض لداعش ضمن صفقات البيع والشراء السياسي، وزمن الفساد المادي والفوضى وانهيارات جبهات القتال، وفي زمن عمالة بعض أهلها ومشايخها الذين تبخروا اليوم في عواصم العالم، وتركوا أهلها بين داعش القتلة والحكومة الغارقة في أزماتها المادية وتفقيس الحكومة الجديدة! وبين سياسيي الصدفة والمال والجاه المنشغلين عن أهلهم بصفقات بيع الوزارات وسرقة أموال اللاجئين وقوت عيشهم، والغارقين في نعيم السلطة ونفاقها، فالكل يبكي على ليلاه، قولا لا فعلا، أصواتهم في الفضائيات تعلو ولا يعلى عليها، وأزياؤهم الفرنسية الجميلة تثير إعجاب الجمهور، لكنها تستفز أهاليهم الذين يأكلون علف الحيوانات.

باختصار مشهد الفلوجة، الكل صنُاعه وجذوره تمتد منذ الاحتلال، وتم فيها خلط الأوراق لأهداف سياسية وتصفية حسابات، ودخلت فيها جماعات ودول وأجهزة مخابرات، والكل يريد أن يحقق بطولات خارقة على حساب الأهل والأرض. ربما كانت الضريبة الأولى للفلوجة أنها كانت بداية المقاومة ضد الاحتلال وموطن البطولات الفردية والجماعية، ورفضها للعملية السياسية التي صنعها بول بريمر، ولأفكاره التقسيمية وقوانينه الاجتثاثية التي جعلت الآلاف من الأسر من دون مورد رزق، حيث عطل قوانين الحياة بهدف تدمير الأسر وتماسكها الاجتماعي ودفعها إلى الانحراف لغايات نراها اليوم على الواقع.

لم يكن بريمر المسؤول الوحيد، فقد شاركته الحكومات العراقية المتتالية بنفس الجريمة، فقد أصرت هذه الحكومات وأحزابها الدينية على زرع الحقد بين أبناء المجتمع العراقي، تحت تسميات وعناوين طائفية وسياسية، ومحاولة نبش الماضي لخلق الفتن والاقتتال الطائفي، وإيجاد قواسم مشتركة للكره والحقد بين أبناء الطوائف والأديان والقوميات. مثلما أصرت على قانون الاجتثاث، فاجتثت آلاف الأفراد من وظائفهم وعملهم من دون سابق إنذار، وهي تعرف جيدا أن الكثير منهم ارتبطوا بالحزب لأسباب معروفة، فتركتهم أسرى الحاجة الاقتصادية، وجعلت البعض منهم ينحرف إلى هدف لم يكن يؤمن به، إلا لأنه يريد أن ينقذ أسرته من الجوع والفاقة والحرمان. بل إن البعض كان يرى أن تطبيق القانون كان انتقائيا لطائفة على حساب طائفة أخرى، مما ولد العنف والانجرار وراء المنظمات الإرهابية. فتولد الشعور لدى البعض في الفلوجة وغيرها من المدن الأخرى بأن العدالة الاجتماعية مفقودة، وأن الدولة تريد اجتثاثهم سجنا أو موتا أو حرمانا من الوظيفة والحياة.

وبالمقابل، نظرا لقصر نظر الحكومات وفقدان روح التسامح، فقد استثمرت القوى الإرهابية هذا الجو المشحون بالحقد لتختطف الرجال والمدن، وتعيث فيها فسادا وإرهابا وقتلا، ولم تنج الفلوجة والمدن الأخرى من جرائم داعش الإرهابي وتفننه في القتل والنحر والحرق وتهديم الآثار والتاريخ ومراقد الصالحين والأنبياء.

وإذا كانت الحكومات العراقية السبب الرئيسي لمأساة المدن وتفقيرها وإضعافها، فإن الحقيقة أن بعضا من أهلها كانوا سببا في تدميرها، بعمالتهم للأجنبي من أجل حفنة دولارات، وتآمروا على أهلهم في صفقات مشبوهة، سواء مع الحكومة أو مع المحتل. بل إن البعض منهم انخرط في هذه الجماعات الإرهابية لتنفيذ المخططات. فلا أحزابها الدينية كانت منقذا لها، ولا مجالس المحافظات مؤتمنة لمصالح أهلها، ولا بعض شيوخها وعشائرها كانوا مساندين لها، ولا حتى الكثير من نوابها الذين انخرطوا في وجاهة السلطة وفسادها يدافعون عنها. فالكل أفسدوا المدن بمصالحهم وقذارتهم السياسية، وشوهوا صورة المقاومة وصورة الأهل ووطنيتهم.

لقد زرعوا صورة مغلوطة عن أقوامهم، وهم من مدن المقاومة والوطنية، حينما أقحموا المنظمات الإرهابية الطائفية في نشاطاتهم السياسية، وجعلوها ترفع شعارات طائفية ضد الآخر، رغم أن أهلها بعيدون عن الطائفية منذ الولادة، والتواريخ حبلى بأفعالهم وسلوكياتهم. هل ننسى كيف فتح الأنباريون بيوتهم ومضايفهم لأهل أخوتهم وعمامتهم من الجنوب في أحلك الظروف؟

ومن مصائب الزمن أن معظم نواب هذه المدن، ولا أقول جميعهم، ومنها الفلوجة منشغلون بالسلطة، فهم خارج التغطية الميدانية، نواب يستحقون بجدارة لقب “خونة الأهل”، لأنهم خارج الوطن يتمتعون بمزايا السفر والترحال، ومنشغلون اليوم بلعبة “التغيير الوزاري”، ومشاركة حيدر العبادي إصلاحاته، وتقاسم السلطة والثروة، والحفاظ على المكتسبات والغنائم.

أما الفلوجة فلها حصة واحدة، وهي التصريحات الرنانة في الفضائيات، والتباكي على مصائب أهلها بالكلام المعسول، بينما يمارس البعض سرقة المساعدات الإنسانية، وعقد الصفقات المالية والسياسية السرية، وفتح منافذ التجارة الداخلية والخارجية لهم. والأغرب أنهم ينتقدون الدولة وهم يشاركون بفعالية في العملية السياسية، ولا يرغبون في أن يصبحوا معارضين في البرلمان، وإنما أن يصبحوا مشاركين في كعكة السلطة.

اكتشف أهل المدن المهجرة حقيقة نوابهم “الأفندية” حسب تعبير علي الوردي، وقذارة مواقفهم المتخاذلة ومصالحهم الذاتية وتناقضات مواقفهم السياسية، وبعدهم عن أهلهم وقضاياهم الحياتية. فالأفندية يعيشون في قصور السلطة، وفي عواصم العالم المختلفة، مترفين بالمال والجاه والعيش الرغيد، بينما أهلهم يعيشون في خيم اللاجئين والعراء وأوحال الطين.

أما الإعلام العراقي فقد تجاهل مأساة الفلوجة، ونحيب الأطفال ومناداة الأمهات والآباء، والأم الفلوجية التي انتحرت بإلقاء نفسها مع فلذات أكبادها في نهر الفرات، والأم التي طالبت بإلقاء قنبلة ذرية على الفلوجة لإنقاذهم من موت الجوع والعطش، والأطفال الممزقة أجسادهم بفعل صواريخ الدولة، والأسر التي تهاوت عليها الهاونات والصواريخ والراجمات، وتهدمت عليها بيوتها العامرة.

فانشغل الإعلام بخطب العبادي ووزرائه، وبخلافات السياسيين ومعاركهم الضارية لبناء السلطة والجاه، وليس لبناء الدولة العراقية، مثلما انشغل ببرامج الطبخ والأبراج والأزياء وتجميل الأسنان وتكبير الشفاه وشد الوجوه، ومثلما تجاهل الإعلام العربي والدولي موت أهل الفلوجة وإعدامهم بالجوع جماعيا، ولكن العتب يبقى على فضائياتنا وصحفنا وإذاعاتنا التي أغلقت موضوعاتها عن الحديث عن الفلوجة بإسهاب.

معذرة يا فلوجة….. لقد ولدت في زمن غير زمانك، زمن الرجال والشهامة ونكران الذات والبطولة…. إنه زمن العمالة والقذارة السياسية وعصر الطائفية والقتل والسادية السياسية.

معذرة يا أم أطفال الفلوجة… إنك تنخين اليوم أشباه الرجال فلا تأملي منهم خيرا، لأنهم يفكرون ببطونهم وغرائزهم، حيث جفت ضمائرهم منذ زمن بعيد.

معذرة يا فلوجة… لن تموتي كأرض وتاريخ وجغرافيا مهما تكالبت عليك المحن والمصائب، وما يحدث اليوم ليس سوى غمامة سوداء سوف تنقشع سريعا، فكل المدن العراقية من الشمال إلى الجنوب تشاركك المحنة المفتعلة. فأنا لست فلوجي المولد، لكنني أبكيك كعراقي.

كاتب عراقي

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر