السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

'بانديميك' فيلم زومبي يجمع بين الخيال العلمي والواقعية

  • قد تتحول الجائحة التي تضرب أرضا وبلادا ما إلى نوع من المغامرة، وهناك من يرصد ما يجري من خلال تصوير أبعاد الكارثة وتوثيقها للأجيال، وهي حالة سينما داخل السينما، فهناك ملاحقة وإيقاع متسارع وكاميرا لا تكاد تستقر لنقل صور ما يجري، حيث السباق مع الزمن يقود إلى مفاجآت جديدة غير متوقعة ولا محسوبة والشخصيات تحاول أن تواكب ذلك التوتر والتصعيد المتسارع، فيما الكاميرا داخل الفيلم ترصد وتوثق ذلك، هي إذن خلاصة أحداث فيلم “بانديميك” في عرضه الجماهيري الأول للمخرج جون سويتس وقد نال حظا طيّبا من الاهتمام.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/04/11، العدد: 10242، ص(16)]

سينما داخل السينما

المستقبليات التي تطرحها سينما الخيال العلمي في 2016 قد لا تبحر بها بعيدا عبر عقود أو قرون كما هو معتاد، سنكون أحيانا قريبين جدا من مستقبل منظور، ليس إلاّ العام المقبل عندما يضرب العالم وباء، غير متوقع، مدنا بأكملها يجتاحها الفيروس والكل يعيش في حالة من الهلع واللاجدوى، وكل التدابير تنهار تباعا مع تفاقم الوباء وانتشاره وإجهازه على الملايين من البشر.

المدن الأميركية ليست سوى أرض لبشر هائمين على وجوههم يبحثون عن خلاص، وهم في المراحل الأولى من تفشي الوباء، حتى إذا تمكن منهم، سيتحولون تدريجيا إلى كائنات ممحوة العقل تماما، تتصرف بلا وعي ولا سيطرة على النفس وتندفع للإجهاز على الناجين للاقتصاص منهم، ذلك ما نشاهده في فيلم “بانديميك” للمخرج جون سويتس (إنتاج 2016).

هو نوع من أفلام زومبي الممزوجة بخيال عملي خصب ومتنوع، إيقاع متسارع والشخصيات لا تكاد تلتقط أنفاسها وهي تواجه أقدارها ومصائرها، تلك الدراما الفيلمية التي يمكن حصرها في مغامرة تحفها المخاطر من كل جانب، تلك التي يعيش في وسطها أربعة أشخاص من الناجين، وفي الوقت نفسه هم يتصدون للخطر المحدق بهم ويحاولون إنقاذ غير المصابين من البشر.

الرحلة ستكون من مدينة نيويورك إلى مدينة لاس فيغاس بعد تفشي الوباء، الكل متحصّن في “باص” كبير ويتنقل من مكان إلى مكان، نيويورك ضربها الوباء وانتهى أمرها والمدن تتساقط تباعا، الطبيبة لورين (الممثلة راشيل نيكولاس) تقود فريقا لمهمة الإنقاذ وقد فقدت ابنتها وكذلك زميلتها دينيس (الممثلة ميسي بايل) التي التحقت بالفريق لتقدم خبرتها، ولكنها مليئة بالأمل في العثور على ابنتها المفقودة وسط الفوضى التي خلفها الوباء.

في الظاهر تبدو القصة الفيلمية معتادة مع تعدد الأفلام التي عالجت موضوع الأوبئة التي ستجتاح الأرض يوما ما، لكن الميزة هنا تتعلق بمعالجة فيلمية استندت إلى نوع من المغامرة، فالباص المنطلق وسط الحشود الموبوءة كان ميدانا للشخصيات لكي يقود كل منها جانبا من الأحداث. استخدام ملفت للنظر لعنصر الحركة والمونتاج، ذلك أن تصويرا ما يجري بكاميرا محمولة من قبل فريق العمل ساعد على تقديم العديد من المشاهد من وجهة نظر الفريق نفسه، اللقطات المشوشة وغير المستقرة من زوايا ومستويات متعددة، كانت من الوسائل البصرية المهمة التي ميّزت الفيلم.

المدن الأميركية ليست سوى أرض لبشر هائمين على وجوههم يبحثون عن خلاص، وهم في المراحل الأولى من تفشي الوباء

على صعيد البناء المكاني عزز الفيلم الإحساس بعزلة الشخصيات وكونها محاطة بخطر محدق، فضلا عن أنها وهي تتنقل من مكان إلى آخر تكون في مواجهة متغير جديد، وهو تنوع جعل الشخصيات متضائلة أمام جسامة المكان المهجور، كما هي المدن الأميركية التي بدت خاوية على عروشها، وحتى الشخصيات في عزلتها كما في المشاهد الأولى التي أظهرت دينيس وهي في محنتها. كان الخروج عن المكان الموحش والإحساس بالوحدة قد رافقه عرض لأماكن عدة كانت تشمل الذكريات التي جمعتها بأسرتها، وكان ذلك هو المدخل الذي اعتمده المخرج للولوج إلى الأحداث التالية.

هنالك نمو في السرد الفيلمي رغم أن لا حقائق ولا متغيرات كبرى تقع، فالإشكالية كانت دائما تتعلق بتفشي الوباء وانتشاره، إلاّ أن نمو السرد الفيلمي كان علامة فارقة لا سيما مع تفعيل الجانب الإنساني من خلال إحساس دينيس باللوعة على ابنتها المفقودة، ثم توصلها إليها في جو مشحون وصاخب بسبب الهجمات المتواصلة لشخصيات الزومبي التي ظلت تلاحق الناجين من الوباء.

في مثل هذه الأفلام التي موضوعها الأوبئة التي تضرب البشر ستكون قصة اختلاط المصابين بغيرهم وصعوبة التمييز في ما بينهم علامة فارقة وستتجسم في هذا الفيلم حتى أن ذلك العامل يصبح خدعة غير محسوبة من خلال محاولة اصطيادهم، على أساس وجود بعض الناجين من بين الحشد، وفجأة تقع المواجهة، وهي ميزة أخرى تم اعتمادها في هذا الفيلم.

سينما الكوارث من خلال هذا الفيلم تقدم خليطا متنوعا، فمن جهة لا يتم الغوص بعيدا في الخيال العلمي، وبذلك كان هناك اقتراب من الواقعية، ومن جهة أخرى كان هناك تضخيم للظاهرة وتحول الوباء إلى ظاهرة عالمية خطيرة، وهذا النوع من المعالجة قرّب موضوع الفيلم من المشاهد وقلّل في الوقت نفسه من التضخيم والمبالغة في تقديم الأحداث.

وفي المقابل، بدا في الوقت نفسه استخدام كائنات الزومبي معتادا ومتكررا في العديد من الأفلام، ولم يضف جديدا لتلك الأفلام التي تقدم قصص انتشار الفيروسات والأوبئة، ثم تحول الشخصيات فجأة إلى كائنات زومبي بكل ما تحمله من مواجهات دامية بين جميع الأطراف، ومن ذلك مشاهد قطع الأنفاس ودفاع الشخصيات عن نفسها ومحاولة الخروج من المآزق المتتابعة التي مرت بها، وكلها جميعا كانت علامات فارقة ومميزة في هذا الفيلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر