الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

دفاعا عن المجتمع

الوطن ليس في حاجة إلى شعراء ولا إلى فلاسفة، وإنما إلى أصحاب مهارات مهنية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/04/13، العدد: 10244، ص(15)]

حين أنهى محمود درويش قصيدة مديح الظل العالي في لقاء اليونسكو ببيروت، نزل من المنبر ليعانق الرئيس ياسر عرفات وبعده شفيق الحوت ثم جورج حبش فنايف حواتمة فجورج حاوي، فما لا ينتهي من الرموز المؤمنين بالفكرة. وكان هناك أبوإياد بانكفاءته الفطرية على وجع المرحلة، لكنه كفكف تطلعه الحيي إلى معانقة الشاعر حتى لا تضج الصورة بالعناق، نطقت أحواله بفناء العاطفة في كلمة تختصر كل شيء.

لهذا كان مفهوما إلحاح القائد على وجود الشاعر في القيادة، هو وحده عنوان الجميع في قضية توزعتها الفصائل، وهو الذي حين يكون المجتمع يتيما ينطق بأسمائه الحسنى… استحضرت محمود درويش وفتح ومنظمة التحرير، حين اعتبر رئيس الحكومة المغربية المنتخب بعد ما سمي بالربيع العربي أن الوطن ليس في حاجة إلى شعراء ولا إلى فلاسفة، وإنما إلى أصحاب مهارات مهنية، كان يتحدث برغبة صادقة في تحويل شعب بكامله إلى عمال ومهنيين، يحسنون الاستماع للدعاة، ويكتفون بعد شقاء يومهم بانتظار يوم القيامة.

كان السيد رئيس الحكومة يتراسل مع تراث أثيل في مناهضة الأدب والعلوم الإنسانية في المجتمع العربي، ذاك الذي يحوّل الناس إلى طالبي قوت يومهم، سواء كانوا خريجي معاهد الهندسة أو الطب أو العلوم التطبيقية في منظومة التعليم العربي، ممن احتضنوا لسنوات طويلة الأنوية الأساسية لحركات التطرف الديني…

وتزامن تصريحه مع نقاش ثقافي صاخب عن الوظيفة الممكنة والمحتملة للإطارات التنظيمية للكتاب والأدباء، بعد سنوات من إصدار بلاغات النعي، والتملص من إبداء موقف من القضايا الأساسية في الشأن المجتمعي، ومناهضة أيّ رأي مستقل في قضايا الحراك السياسي، حيث يذكر القراء المغاربة بيانا تاريخيا، ردّ فيه الإطار غير الرسمي للكتاب والأدباء على بيان مناضل من أجل ملكية برلمانية أصدره مثقفون مستقلون غداة المجازر في العراق وسوريا وليبيا، وبات فيه التنظيم الرئيسي للكتاب جزءا رئيسا من آلية الكبح السياسي.

تزامن تصريح رئيس الحكومة المغربية مع عزم للدولة على منح الشعراء والروائيين والنقاد وما جاورهم، مقرّا جديدا، يحتضن ناديا ترفيهيا للكتاب، ممن يرفض حضرة رئيس الحكومة المنتمي للفرع المغربي من حركة الإخوان المسلمين، أن يكون له وجود، إذ هو إهدار لمال المسلمين على رهط لا يستحقون، وكان المفقود في هذا التعارض غير المنطقي للسلطة والدولة هو المجتمع، بطبقاته العليا والدنيا على حدّ سواء، ممن لا يحتاجون لا إلى ناد ولا إلى مسبح وإنما إلى رغبة أصيلة في تحويل العامل والطبيب والمهندس إلى كائن متحضر ينتمي للمدينة ويعد أبناءه بقضاء عطلة على نفقته، يذهبون فيها إلى السينما ويستمعون فيها للموسيقى ويؤدّون فيها الفوائد للبنوك دون إحساس بالذنب.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر