الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الشاعرة فتحية الصقري: أذهب إلى النص حين يأتي إليّ

  • الكتابة الإبداعية ليست بالأمر السهل، وقد تؤدي بكاتبها إلى عزلة عميقة عن العالم والناس، لكن ماذا عن كتّاب نجحوا في فك عزلتهم وفي الحياة داخل الأطر الاجتماعية والعائلية رغم نزعة التمرد التي تكون حطبا ضروريا لنار الكتابة.”العرب” التقت الشاعرة العمانية فتحية الصقري في حديث حول مجموعتها الأخيرة وحول الشعر والكتابة والمجتمع.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/04/13، العدد: 10244، ص(15)]

الكتابة ينبغي أن تتحرر من رغبات الآخر

لم تتربّ في وسط أدبيّ، أو عائلة عاشقة للفنون وللقراءة، تنقلت بين أعمال مختلفة، تؤمن بسحر التعليم الذاتي الذي اشتغلت عليه باكرا؛ هي لا تحلم بشيء، ولا تعِدُ نفسها بشيء، إنها في خصام دائم مع كلمات مثل؛ أمل، مستقبل، ثقة، عائلة. وتعاني من حساسيّة مفرطة إزاء العالم المحيط بها. هكذا تقدّم الشاعرة العُمانية فتحية الصقري نفسها للعالم.

أصدرت فتحية الصقري مؤخرا مجموعتها الشعرية الرابعة “جمهور الضحك” عن دار مسعى البحرينية. وتأتي هذه المجموعة بعد “نجمة في الظل” 2011، و”قلب لا يصلح للحرب” 2014، و”أعيادي السرية” 2014.

عن مناخات تجربتها الأخيرة تحدثنا الصقري قائلة “أنا هنا كمن يرغب في التمسك بمفردتين مُهملتين ومنبوذتين، سنوات طوال، سنوات كانت كافية لإغناء حياة المتسلط والزائد والمسيطر، لمنحهما القوة المدمِّرة. كلُّ ما كنت أفكر فيه هو أن أقترب أكثر من اللازم، وأن أغيِّر وجهتي المعتادة، وأن أضخَّ قلب قلقي بالأوهام السعيدة؛ لأتمكن من المشي، والتلفُّت، والكلام مع الأشياء التي لا تتعب من ملاحقتي، الأشياء الكثيرة المتحدة الملتبسة الغامضة المأهولة، المتشكِّلة بملامح تلك النظرة المتأجِّجة بالأسئلة الكبيرة، النظرة الملحَّة غير المستقرة، المتغيِّرة الجادَّة، المجنونة بالعميق والأبدي، بشكل ما كنت ألهث خلف رغبة مجهولة، خلف متعة سكرانة؛ لألمس تلك القدرة المخدَّرة، بأصابع حرة، وكنت على أهبة الاستعداد لمواجهة ما لا يلين، ولا يرقّ، ما يكسرني ويستفزُّني ويجرحني، بالضحك واللامبالاة. لا أعرف إن كانت المواجهة ستستمر على هذا النحو، أم لا، بطبيعة الحال هناك فوز وخسارة، غالب ومغلوب، ولا أعرف من سيقتل الآخر في نهاية المطاف”.

جمهور الضحك

عند الوقوف على عنوان “جمهور الضحك” كعتبة تأويلية للنص، نلمح الضحك كائنا فلسفيا يذهب بدلالاته إلى منطقة الفيلسوف برجسون، تلك المنطقة التي عدّ فيها الضحك موقفا وجوديا حيال مهزلة العالم.

تقول فتحية عن ذلك “لم يكن كتاب برغسون في بالي، ولم أفكر في الذهاب إلى منطقته التي عَدَّ فيها الضحك موقفا من مهزلة العالم، لكن أعتقد أن الآلام القويّة الشابّة المتغطرسة المتوحشة النشطة، المتدفقة من كلّ حدب وصوب، هذه التي لا تموت لأسباب مجهولة، يؤذيها الضحك، ومثل من يصاب بوعكة صحية تتوقف عن العمل لبعض الوقت”.

كل ما كنت أفكر فيه هو أن أقترب أكثر من اللازم وأن أغير وجهتي المعتادة وأن أضخ قلب قلقي بالأوهام السعيدة

وتواصل “وللضحك صور وأشكال متعددة، ومحظوظ جدا من يستطيع الاستعانة بها، لشلّ حركة القوي والقاهر المتمرد والعنيد؛ لوقف صخب الماراثونات اليومية الساحقة، داخل النفس البشرية، في زمن الحروب والكراهية هذا، في زمن الأحقاد وأفعال الإنسان المريضة، في هذا الكون المقلوب رأسا على عقب، صحيح أن لهذه الآلام أرواحا كثيرة، وطرقا متعدّدة، قد تنبع من كلمة، أو تصرّف، أو فعل، أو قول، وتنشط في أوقات تبدو للبعض هادئة، وتزدهر بأشياء لا يفكر فيها أحد غير المجانين والمخبولين كما يمكنها الحضور أيضا على أكثر من وجه، وفي أيّ وقت، أعترف أنها تهزمني أحيانا، لكن المواجهة بيننا مستمرة”.

في مجموعة “جمهور الضحك” نواجه نصوصا ممتلئة بالأسئلة، ثقيلة بالدلالات المنفرجة على الاحتمالات، إنه موقف الشاعرة من القضايا اليومية العميقة والسطحية معا؛ تذهب إلى سؤال السماء كما تذهب إلى سؤالك عن ستائر الغرفة أو طعم القهوة أو ضياع وردة في البيت، هذه الدلالات جعلتنا نسأل الصقري عن رؤيتها الخاصة للشعر.

حول التجربة

في مجمل لغة شاعرتنا الصقري من خلال مجاميعها الشعرية نتلمّس شاعرة لا يمكن تجنيسها، تمتلك نصا يصلح أن ينطق به الإنسان بمعزل عن جنسه. ولعل هذه المنطقة الوجودية للنص أعطته فتوّة مضاعفة منبتة عن الجاهزيات النقدية. وعن هذا الشأن، تعلّق فتحية “لا أُملي على النص اشتراطات معينة، ولا أجبره على السير في طريق أرسمها وحدي، أذهب إليه حين يأتي، كما أذهب إلى الحب، صريحة قلقة مندفعة مندهشة حالمة، مقتولة باللامرئيّ، ممتلئة بالأوهام، الكتابة ينبغي أن تتحرَّر من رغبات الآخر، من الإملاءات والتخصيص والتوجيه والأوامر. العمل الإبداعي صناعة الروح الحرة المتخلصة من أعباء الواجب والمشروط، المنشغلة برحلتها السِّرية لاكتشاف صوتها الخاص، في نور عزلتها الحي. لا أكتب إطلاقا وفق شروط أحد، وللناقد قول ما يشاء بعد خروج الكتاب إلى العلن. ما أخافه هو القراءة النمطية، القراءة الجامدة التي تخضع لفكرة سابقة، أو لشكل معين مرسوم سلفا”.

عتبة تأويلية للنص

تقترب نصوص الصقري إلى الحالة المونودرامية المسرحية العالية، فتتحول إلى حكايات ذات مشهد واحد ترتفع وتهبط بأصوات متداخلة، وكأنها تكتب العالم وسط جمهورها الافتراضي. تقول الصقري عن تجربة الكتابة “أنا الأشياء الصغيرة المهملة المنسيّة تعذبني، هكذا دائما كما يقول ماتشادو «قلبي نابض ومبهور وموزّع» طوال الوقت، وأنا في الخارج سهام رفيعة تنسلّ ببطء، مخترقة روحي، تأتي غالبا من كل الاتجاهات، لا أفعل شيئا، أنظر وأنتظر، ربما ليوم أو يومين، ثم تأتي المهمة الشاقّة لنزعها وتأمُّلها. في محاولة لفهم ما يجري، في محاولة لردم تلك الهوّة التي تتسع يوما بعد يوم، الهوّة التي لن تنغلق، مهما فعلت. في الصمت المدوّي، في غرفة مغلقة في العتمة الباهرة، أمام صفحة مفتوحة بيضاء، ينبثق ضوؤها الخفيف من شاشة جهازي اللوحي في التوهّج السري المعذَّب بالشهوات، أستطيع الكلام، أستطيع قول كلّ شيء. وأستطيع في الوقت نفسه حذف كلّ ما قلته، أو نصفه على الأقل، لا أخفيك سرا، يؤلمني أحيانا خوف صوتي وانعزاله، لكنه يمنحني شجاعة البحث والتلفّت الصريح، ومواجهة استعداد النص للتشكّل؛ لأراه على حقيقته”.

ترى الصقري “أن هناك أصواتا كثيرة كشفت عنها مواقعُ التواصل الاجتماعي، منها ما يدهشك ويغريك، ومنها ما يخرب عليك مزاجك القرائيّ، ومنها ما يبقيك عالقا في الوسط بين منطقتين، لكن دائما علينا أن نفرّق بين الصوت الشعري الحقيقي والمقلِّد، بين ذلك الصوت المتفرِّد بجراحه، وبين ذلك الملطَّخ ببصمات الباعة المتجوِّلين وبضائعهم المغشوشة، لا أستطيع الحكم على تجربة لمحتُها صدفة، أو رأيت جانبا منها؛ لأن هناك في البداية تعرُّفا على الكتابة والشعر واللغة، لكل كاتب، أو شاعر، بمرور الوقت تنضج، وتنضج معها الرؤية والفكرة والأدوات. والصوت الشعريُّ الحقيقيُّ عميق وثريّ، في رحلة اكتشاف دائم، صوت ينمو، ويتطوّر، ويتقوّى بالاستمرارية والشغف، بقوّة القوى الخفيَّة المحرِّضة، المقيمة في الروح”.

وتختم الصقري مواصلة في الموضوع ذاته “تزعجني الأصواتُ الشعرية التي لا تتطوَّر، الأصوات الباقية على حالها، بثيابها الرثَّة، وعاداتها القديمة، وخطواتها الثقيلة، الأصوات المتعلقة بإرث زمن مضى، البعيدة عن واقع حياتنا اليوم. أحبُّ النص الجديد/ القديم المتماهي مع الآن، السائر بخفّة في موسيقاه، ولا تحتمل روحي السير في قصيدة مثقلة بالأوزان، ومخلوقة بأدوات منتهية الصلاحية، كما يصيبني المنشغلون بالتصفيق والجمهور بالكآبة. ومع انتشار مواقع التواصل تجدهم في كل مكان بحضور فارغ وضجّة مؤذية. إن مُراد العمل الإبداعي هو التفاني، وليس الهتاف والشهرة، كما يقول باسترناك”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر