الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

تاريخ من الإقصاء

الخطاب التكفيري الذي انتشر واتسعت رقعته، بات يهدد البناء المجتمعي بشكل غير مسبوق وكشف عن روح إقصائية متسربلة في سواد الحقد والكراهية.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/04/13، العدد: 10244، ص(24)]

صادف أن أحيت تونس يوم السادس من أبريل الجاري ذكرى وفاة زعيمها الحبيب بورقيبة في ذات اليوم الذي ودعت فيه شاعرها محمد الصغير أولاد أحمد. فكانت الحملة الممنهجة للتشكيك في إيمان الرجلين، وفاضت مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات التكفير والثلب والشماتة التي أضحت جزءا من الواقع الديمقراطي العاصف بعد انتشار قوى الإسلام السياسي في البلاد والمنطقة، وانتشار جيوشها الإلكترونية المندفعة لتدمير كل القيم الأخلاقية تحت شعار الدفاع عن الدين.

وللأسف فإن الخطاب التكفيري الذي انتشر، واتسعت رقعته، بات يهدد البناء المجتمعي بشكل غير مسبوق وكشف عن روح إقصائية متسربلة في سواد الحقد والكراهية، هدفها الأساسي شق المجتمعات لغاية السيطرة على جزء منها وتحويله إلى قنبلة موقوتة في وجه البقية، وهو ليس أمرا جديدا على تاريخنا، لأن التكفير كان دائما سلاحا مرفوعا في وجه الفكر والإبداع والابتكار والعلم والإنجاز الحضاري.

فقد تم سابقا تكفير الحسن بن الهيثم، العالم الكبير الذي كتب في علوم الطب والهندسة، والرياضيات، والبصريات، والفلك، والفلسفة، إلى جانب كتاباته الدينية، وتم اتهامه بالجنون والزندقة والإلحاد بسبب أفكاره، ومثله فعلوا بالخوارزمي مؤسس علم الجبر، الذي أدار بيت الحكمة في عهد الخليفة المأمون، وعرفت عنه إسهاماته في علوم الفلك والجغرافيا، وتم تكفير الفارابي الطبيب والفيسلوف، وصاحب المؤلفات المتعددة في الفلسفة والمنطق، والسياسة، والطب، والموسيقى، وكذلك تلميذه ابن سينا الذي اشتهر في مجال الطب والفلسفة.

وقال عنه العالم والمؤرخ البلجيكي جورج سارتون إنه “أعظم علماء الإسلام ومن أشهر مشاهير العالميين”، وأن فكره “يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى”، بينما سماه ابن القيم الجوزية بـ“إمام الملحدين الكافرين بالله وملائكته”.

وما إن انتصر ابن رشد للفارابي وابن سينا بكتابه “تهافت التهافت” ردا على كتاب “تهافت الفلاسفة” للغزالي، حتى تم تكفيره هو الآخر، وتعرضت كتبه للحرق، وتم تكفير جابر بن حيان، حتى أن ابن تيمية حرّم الكيمياء بسببه، وقال إن أهلها أهل ذلة واستدل على بطلانها بقوله “لم يكن في أهل الكيمياء أحد من الأنبياء ولا من علماء الدين ولا الصحابة ولا التابعين، وأن الكيمياء لم يأت بها رجل له في الأمة لسان صدق ولا عالم متبع ولا شيخ ولا ملك عادل ولا وزير ناصح، إنما يفعلها شيخ ضال مبطل”.

وتم تكفير أبي بكر الرازي الطبيب والفيلسوف، وقال عنه ابن القيم الجوزية إنه من المجوس وأنه ضال ومضلّل، وكذلك كفّروا الكندي العالم في الفلك والفلسفة والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات والموسيقى وعلم النفس والمنطق الذي كان يعرف بعلم الكلام، والذي اشتهر بجهوده في تعريف العرب والمسلمين بالفلسفة اليونانية القديمة، فقالوا عنه إنه زنديق. وتم تكفير الجاحظ فقالوا عنه إنه كان سيء المخبر، رديء الاعتقاد، تنسب إليه البدع والضلالات، وحتى ابن بطوطة لم يسلم من التكفير، فقيل عنه إنه كان مشركا وكذّابا.

وما يحدث حاليا من تكفير، المختلف والخصم الفكري أو السياسي، ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من الإقصاء والإلغاء والتشويه ومعاداة الفكر والإبداع والجمال.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر