السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

هدى بعلبكي تبتكر لوحات ما بعد الانطباعية

  • قدمت مؤخرا الفنانة اللبنانية هدى بعلبكي معرضا جديدا يضم 61 لوحة في صالة ألوان البيروتية، لوحات مشغولة بمادة الأكريليك وممزوجة بمواد أخرى أرادت الفنانة عبرها إعطاء كثافة متفاوتة في لوحاتها، تختلف باختلاف الأجواء الداخلية التي أرادت التعبير عنها، لوحات مشغولة بحسية لا تنضب، وحرفية عالية واظبت الفنانة على تطويرها على مدى سنين عديدة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/14، العدد: 10245، ص(16)]

لوحات وامضة تنادي المشاهد إليها

بيروت- ليس من السهل بناء نص فنيّ يعتمد اعتمادا كليا على المشهد الطبيعي وعلى عناصره المألوفة كالأشجار والنباتات والأزهار من دون أن يكون المقصود هو رسم الطبيعة في حدّ ذاتها، فإذا كان البعض يرى أن الكون ينطوي بعظمته في النفس البشرية، فإن الطبيعة في لوحة هدى بعلبكي تحتضن الحياة بأكملها، وهو ما قدمه معرضها الجديد المقام حاليا بصالة ألوان البيروتية المعنون بـ”مرآة في مرآة”، حيث يقدم ذاته على هذا النحو، ذاته هو في الطبيعة، ولكن أيّ طبيعة بالتحديد؟ لا تحديد، بل شمولية مشغولة بشغف كبير، هكذا تنفرد الفنانة في بناء نصها الفني المميز وسط عدد كبير من الفنانين الذين اختاروا الطبيعة منطلقا وهدفا لأعمالهم.

ما بعد الانطباعية

ارتقت الفنانة هدى بعلبكي بنصها الفني إلى ما يمكن تسميته بأسلوب “ما بعد الانطباعي”، ولا نقصد بذلك بتاتا التيارات الفنية التي تلت تاريخيا الانطباعية، كالتعبيرية والتجريدية، إنما نشير إلى انطباعية من نوع آخر استطاعت الفنانة عبرها الحفاظ على واقعية المشهد المرسوم مع تحميله معاني وهواجس شخصية/ عامة، ومواقف اجتماعية وسياسية دون أن يؤدي ذلك إلى إضفاء مسحة كئيبة على اللوحات، كما هو عادة الحال مع الأعمال الفنية الرمزية.

حافظت لوحة الفنانة على بريقها وغنائيتها، ولكنها جاءت محملة بكل ما يعتمل في العالم من خواطر وحوادث مأساوية، نذكر من هذه اللوحات تلك التي رسمت فيها الفنانة خيم السوريين الذين غادروا قسرا وقهرا بلادهم، تظهر في خلفية الخيم المنصوبة مشاهد لقرى لبنانية بعيدة لا تقلّ تلوينا عن الخيم، وهي كأنها صدى بصريّ للبيوت والأشجار التي اضطر شعب شبه كامل على تركه وراءه. 61 لوحة، تختلف كل واحدة منها عن الأخرى في إيحاءاتها وفي أبعادها التي تتراوح ما بين الصغيرة جدا وبالغة الكبر.

لوحات بعلبكي تقترح مواقف اجتماعية وسياسية دون أن يؤدي ذلك إلى إضفاء مسحة كئيبة على اللوحات

تجدر الإشارة إلى أن معظم اللوحات البالغة الصغر والتي وضعت على طاولة في صالة المعرض، هي لوحات وامضة تنادي المُشاهد إليها، لوحات مسكونة بغنائية لونية قلّ نظيرها، يتوسطها وجه بشري شكلت الفنانة ملامحه بنفس الألوان التي أسست فيها المساحة الخلفية.

استطاع الوجه “القمري” بالرغم من ذلك أن يبقى شديد الوضوح، هو ونظرته المُلتبسة، غير أن الناظر إلى اللوحات لا يلبث أن يدرك أن هذا الوضوح ليس إلاّ شركا من الأشراك التي نصبتها الفنانة لذاتها وللمشاهد على السواء.

الناظر إلى هذه اللوحات يحار في إدراك تعبير هذه الوجوه البشرية، فثمة التباس كبير يُحرك ثباتها، إنها وجوه ذات ملامح حزينة وفرحة في ذات الوقت، كلما أمعن المشاهد في وضوح الشكل الخارجي، كلما ازداد مضمون هذه اللوحات غموضا على غموض.

المهرج الملتبس

تتشكل اللوحات ذات الأحجام الكبيرة، ببراعة وخصوصية التقنية الفنية التي اتبعتها الفنانة، إذ تراكم هدى بعلبكي الطبقات اللونية ولا تترك حيزا مجهريا واحدا إلاّ وتشغله بشهوة نزقة. فتبدو اللوحات وكأنها سراب مُكثف حملته ذرات الرطوبة والعطور المنبثقة من الأزهار، لذلك لا يمكن اعتبار لوحة هدى بعلبكي لوحة تزيينية لأن مزركشاتها هي منبثقة من منطق زخرفة المواقف الشخصية، ونتيجة لاعتمال ما يحدث في النفس.

إن لوحة بعلبكي لا تقرأ قراءة سطحية، وإن حدث ذلك للوهلة الأولى، فلا بدّ من أن تجرّ المُتلقي إلى ما هو أعمق، حيث أن كل تلك العناصر التشكيلية التي استخدمتها الفنانة بطقوسية متفانية ساهمت في جعل اللوحة الواحدة، لوحة متحركة في أبعادها ومفتوحة على التأويل؛ حزن وفرح، شك ويقين، وحب وسخرية مبطنة بأوراق الأشجار.

61 لوحة، تختلف في أحجامها وفي إيحاءاتها وأبعادها التي تتراوح ما بين الصغيرة جدا وبالغة الكبر

ابتكرت الفنانة مهرجها ملتبس الشخصية ودسته في العديد من لوحاتها، تراه يحدق في وجه الناظر إليه حينا، ويدير له ظهره حينا آخر، كما يفعل في اللوحة الرائعة التي يظهر فيها جالسا على رأس صخرة ويحدق في حقل أزهار حمراء نمت على الأغلب رغما عنه. في حين يظهر المهرج ذاته في لوحة أخرى مُحلقا في فضائها شبه مُرتد لغيمة سوداء، لن تلقي بظلها على مدينة أو قرية هانئة مهما اشتدّ سوادها.

في معظم اللوحات إن موقف اللامبالاة هو أكثر ما يسيطر على ملامح المهرج ذي الشعر الأشعث والوجه الموشوم بحناء الزهور، لامبالاة حيال الذات وحيال الآخرين وربما حيال ألم سيفنى لا محالة تحت وطأة الأمل الطاغي في لوحاتها.

أطلقت الفنانة على معرضها الحالي عنوان “مرآة في مرآة”، وهو يليق جدا بلوحات تبدو آفاقها منفتحة على بعضها الآخر تعكس ما يجول في دواخلها، دون أن تشرح تشريحا رخيصا ما تنطوي عليه من ألم ورجاء. مرايا تصرّ الفنانة على النظر إليها والاعتراف بما يتشكل على سطحها من خواطر ومشاعر كبتت مفاعيلها الفنانة لفترة طويلة، يشكل هذا العنوان مفتاحا لمجمل لوحات الفنانة ويترجم، لا، بل يبرر بصريا تداخل المشاهد التي يبدو بعضها وكأنه صدى لبعضه الآخر.

تنادي اللوحات الناظر إليها كي يتحسسها بأصابعه لكثرة ما تنبض بصخب غريب، لكنه سيشعر بالخيبة إن فعل ذلك. فليس هناك من سحر ساحر لينقله جسديا إلى المشاهد الطبيعية الأثيرة التي استلت منها الفنانة مفردات الترميز والاستعارات، ربما لأن المشاهد تلك لم تحي فعلا، إلاّ في عيني هدى بعلبكي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر