الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

إياك والإصغاء

كانت أنواع من الموسيقى تتضارب في أذنيّ، لا أدري إن كان بإمكاني تسميتها بالموسيقى، لعل أهم ما يميزها أنها تؤدي دورها كضجيج يؤثث الصمت.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/14، العدد: 10245، ص(16)]

منذ يومين بعد انتهاء ساعات العمل المُرهقة، دخلت إلى أحد المقاهي التي لم أعتد الدخول إليها، ولكن صادف أنه مجاور لمكان العمل، كنت أريد أن أتخلص من آثار العمل وطنين الأصوات التي يبدو أنني لن أعتاد عليها، ولا على مُسبباتها.

جلست في إحدى الزوايا وطلبت كوبا من الشاي مع بضع أوراق من النعناع، لم يأت الكوب قبل أن أندم على دخولي إلى هذا المقهى الذي كنت أعرف مُسبقا أنه لا يشبه المقاهي أو المطاعم النادرة التي أحب الدخول إليها، لأجلس فيها مع ذاتي ومع الهدوء المُحبب الذي غالبا ما يأخذ شكل حضور غامض وشيّق على المقعد أمامي.

كانت أنواع من الموسيقى تتضارب في أذنيّ، لا أدري إن كان بإمكاني تسميتها بالموسيقى، لعل أهم ما يميزها أنها تؤدي دورها كضجيج يؤثث الصمت، الصمت المرجوّ بعد نهار طويل من إطباق الآخرين على حيزك الخاص الذي ما من بشريّ إلاّ وله، على الأقل، بعض منه.

إضافة إلى هذا التأثيث القسري والمُحكم، كانتا هناك في كل ناحية كنت أنظر إليها شاشة تلفزيونية مشنوقة على أعلى جدار من الجدران تبث هي الأخرى بصريات تافهة، خرّس أصحاب المقهى صوتها.

هي أيضا كانت تقوم بواجبها على أكمل وجه في محاصرة براعم الفراغ، ومنع أي رغبة لديك في احتضان مُجالسك، إن كان صديقا أو حبيبا أو قريبا، أو حضورا شيقا كالذي ذكرته آنفا، والذي يمكن لغيرك أن يراه أو يشعر به. الجالسون في المقهى كانوا إما أصحابا مأخوذين بأجهزتهم التلفونية، وإما مُنشغلين بالطباعة على الكومبيوتر الخاص بهم.

توجد في المقهى أيضا عوائل صغيرة مؤلفة من ثلاثة أو أربعة أفراد أرهقهم الملل، فأرخى ملامحهم حتى الثمالة، ينظر كل واحد منهم إلى جهة مختلفة حيث الفراغ المُطلق وغير المُبرعم، بعيدا عن المخلوق الصغير الذي صحبته كل عائلة معها.

طفل يلهو بصحنه أو بأشياء الطاولة، لم ينس بعد كيف أن يكون هانئا بوحدته، بعد أن هوى من كوكب آخر لا يمت إلى الوالدين، إلاّ بصلة القرابة وجهاز الأمان الذي اختلقه له المجتمع الذي يُفترض أن ينتمي إليه في أسرع وقت ممكن.

أحالتني هذه التجربة الوجودية إلى أن أتذكر وأقابل بين العديد من اللوحات التشكيلية لفنانين تشكيليين عرب، روادا كانوا أو حداثيين، وغيرهم من الفنانين التشكيليين المعاصرين.

ففي حين جسدت اللوحات الأولى أفرادا مُكللين بوحدة مُزهرة لا ترشح منها، إلاّ خصوصيتهم بعيدا عن أطر مجتمعهم وما يمليه عليهم هذا الأخير من قوانين ونظريات، حتى باتوا في قلب الكون يعكسون حقائقه وروعة ألوانه، أخذت الوحدة شكلا آخر في اللوحات المعاصرة.

تحولت إلى وحشة يلازمها قلق شرعيّ مرتبط بأزمات وحروب العصر، ومُشبعة بحزن عميق يجاور حدّ الكآبة، ما هو أيضا، إلاّ من صنع مجتمع يرفض كل من لا يمتثل إلى تعاليمه.

أذكر من الفنانين الرواد الذين جسدوا جمالية الفرادة، ولا أقول الوحدة، حتى لا يصار تلقائيا إلى ربطها بالمعاني السلبية، أذكر الفنان لؤي كيالي والفنان غسان سباعي، والفنان نذير نبعة، والفنان إلي كنعان، أما من الفنانين المعاصرين الذين شبعت لوحاتهم من عصارة القلق والوحشة المعاصرة حتى وهم ضمن جماعات في لوحة واحدة، أذكر الفنان فادي يازجي، والفنانة سهير السباعي، والفنانة ميسا محمد، والفنان إسماعيل رفاعي والفنان بهران حاجو والفنان صادق الفراجي.

مقهى كهذا المقهى الذي جلست فيه يحذرك بألّا تصغي إلى ما تضجّ به أعماق نفسك، فذلك يُعتبر نوعا من الاستخفاف بالجهد المبذول للقضاء على أي هدوء محوري من شأنه أن يذكرك ويذكر كل إنسان بأهمية فرادته، بعيدا عن منطق الجماعة، غير أن هذا المقهى المجاور يوفر لك، ولا يجب نكران ذلك، كوبا من الشاي الساخن تحلل نعناعه حتى لفظ رمقه الأخير.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر