الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الشباب العربي يُفشل مشروع داعش

تنظيم داعش راهن على اجتذاب الشباب العربي، بل أيضا في أوساط أبناء الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين في أوروبا وسعى نحو تحويلهم إلى وقود لمحرقته.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/04/15، العدد: 10246، ص(13)]

وعي شبابي بأن الإرهاب عقبة أمام تحقيق التنمية

قبل سنتين راهن تنظيم داعش، حين أعلن عن مسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وأعاد إدخال مفهوم الخلافة إلى نطاق التداول الإعلامي على الصعيد العالمي، على شريحة اجتماعية مهمة في العالم العربي رأى فيها الزبون المفترض الأول لمنتوجه الأيديولوجي، وهي شريحة الشباب. فقد ظلت هذه الفئة الاجتماعية الأكثر استهدافا من لدن مختلف التيارات المتشددة عربيا، وأسهم الربيع العربي في إظهار ثقل هذه الفئة في الشارع قبل خمسة أعوام، عندما خرج الشباب إلى الشوارع في مختلف الشوارع العربية مطالبين بالتغيير والإصلاح، الأمر الذي جعل الجماعات المتشددة من التيارات الدينية أكثر اطمئنانا إلى إمكانية استقطاب هذه الفئة نحو مشروعاتها المتطرفة، خصوصا في ظل الأوضاع الاجتماعية المرتبكة وغياب الآفاق أمام الشباب العربي، نتيجة الأخطاء السياسية المتراكمة.

راهن تنظيم داعش بشكل قوي على اجتذاب الشباب العربي، ليس في المنطقة العربية فحسب، بل أيضا في أوساط أبناء الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين في أوروبا، فقد سعى نحو تحويلهم إلى وقود لمحرقته، ومنصة إقلاع لمشروعه التخريبي؛ وساعد على هذا الطموح التطور التقني في وسائط الاتصال الاجتماعي، التي أمل في أن تجعله أكثر “قربا” من هذه الفئة الاجتماعية، بحيث جعل من الشبكة الافتراضية ساحة موازية لمجاله الجغرافي، وقناة من القنوات التي يمكنها أن تصب في مشروعه.

وقد اعتقد التنظيم أن يوتوبيا الخلافة من القوة بحيث تستثير مشاعر الشباب العربي المتعطش إلى اعتناق النماذج المثالية المسوق لها، مهما كان محتواها، وأن الشباب العربي من الحساسية والهشاشة بحيث تغيب لديه القدرة على التمييز والتفحص النقدي.

ابتلع التنظيم هذه القناعة الخاطئة على الرغم من الوحشية الفائقة التي جعلت قدميه تغرقان في الدماء، بينما يرتفع رأسه في سماء التخيل والوهم بأن هناك فئات اجتماعية في العالم العربي يمكن أن تنطلي عليها الخدعة. فالنماذج الدموية في التاريخ كانت، دائما، تحاول الجمع بين المتناقضات العصية على العقل، والمزج بين بياض الحلم وسواد التجربة.

الشباب العربي يدرك بأن رفع التحديات الاجتماعية والاقتصادية مرتبط برفع تحدي تنظيم داعش ومخاطر الإرهاب

هذا ما أظهرته نتائج الاستطلاع حول الشباب العربي، الذي قدمت نتائجه الثلاثاء في دبي بالإمارات العربية المتحدة، وأشرفت عليه مؤسسة “بين شوين بيرلاند”، التي يوجد مقرها بالولايات المتحدة الأميركية. وقد شارك في الاستطلاع 3500 من الشباب من الجنسين، تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة، وجاءت النتائج ذات دلالات متعددة، يتعين الوقوف على بعضها.

ينبغي القول بأن ما خرج به الاستطلاع يشكل إسقاطا لمقولة التنظيم، التي ظلت بمثابة شعار له، وهي أن الدولة “باقية وتتمدد”. ففي معطيات العام الماضي، أظهر الاستطلاع أن 37 في المئة من الشباب العربي فقط يقولون بأن تنظيم داعش يشكل عقبة في المنطقة العربية وتجب مواجهته، بينما وصلت هذه النسبة في الاستطلاع الجديد إلى النصف، أي 50 في المئة؛ وهو تحول نوعي يؤكد تراجع تأثير خطاب التنظيم الذي يتم ترويجه في مواقع التواصل الاجتماعي ومنشوراته التي يحاول من خلالها رسم صورة مثالية لنفسه، يغطي بها الواقع الحقيقي. وفي الوقت الذي كانت نسبة الشباب الذين أبدوا نيتهم في دعم التنظيم لو أنه لم يستخدم العنف في استطلاع العام الماضي هي 19 في المئة، نزلت هذه النسبة إلى 13 في المئة، وهو مؤشر على إدانة وحشية التنظيم، الذي يحجب سياسته القروسطية خلف حجاب من التدين المغشوش.

وقد أبدت 77 في المئة قلقها من تزايد نفوذ التنظيم، أي ثلاثة أرباع الذين شملهم الاستطلاع من الشباب المنتمي إلى جل البلدان العربي ما عدا سوريا التي تشهد حربا طاحنة بين النظام ومعارضيه، ويمكن أن نعتبر هذه النتيجة بمثابة محاكمة للشباب العربي لتنظيم داعش المتطرف.

الدلالة الأبرز، التي تستحق اهتماما أوسع، أن الشباب العربي، الذي كان قبل خمس سنوات يتطلع إلى الإصلاح والديمقراطية وتحقيق فرص اجتماعية أكبر، يضع اليوم تحدّي التنظيم الإرهابي في الصف الأمامي لانشغالاته، قبل أي هدف آخر من كل تلك الأهداف والطموحات. وهذا مؤشر واضح على التحول الذي حصل في مزاج الشباب العربي خلال السنوات القليلة الماضية، الذي بات أكثر قلقا حيال مخاطر التطرف والإرهاب من قلقه حيال المسائل الاجتماعية والاقتصادية الملحة.

معنى هذا أن الشباب العربي يدرك اليوم بأن رفع التحديات الاجتماعية والاقتصادية مرتبط برفع تحدّي تنظيم داعش ومخاطر الإرهاب، وهذا مؤشر مهمّ على حصول الوعي بخطورة الإرهاب في عرقلة مسار الإصلاح والتنمية في العالم العربي، ومسؤوليته في خلق حالة من الفوات في الزمن العربي، نتيجة الاهتمام بتدبير ملفات الإرهاب وإعادة بناء الحالة الأمنية في عدد كبير من البلدان العربية، أي الاستقرار أولا.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر