الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

السعودية تجتاز بنجاح اختبار الإرهاب والطائفية وانخفاض أسعار النفط

الشعوب العربية تعاني، والسعودية كدولة مركزية ساهمت كثيرا في 'وقف الانهيار' في الكثير من الدول، بينما تستمر إدارة الرئيس أوباما في الغموض، واللعب تحت الطاولة، فاتحة الباب واسعا للتكهنات والقلق وانعدام الثقة.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/04/18، العدد: 10249، ص(8)]

قبل أسابيع تقدم الأمير محمد بن سلمان بمشروع مثير لتقليل اعتماد البلاد على الريع النفطي بالدرجة الأساس. والمشروع هو طرح ما نسبته خمسة بالمئة من أسهم شركة أرامكو للبيع في الأسواق. هذه تعتبر أهم وأكبر شركة في العالم، وقيمة هذه الأسهم بحسب الأمير ستكون أضخم كمية سيولة نقدية في العالم، حوالي 2 تريليون دولار. يرى الأمير أن وضع هذه السيولة النقدية الضخمة في شركات استثمارية عالمية سيغني المملكة خلال عشرين سنة عن الاعتماد على النفط حصرا في اقتصادها.

لا شك أن هذه الخطة العبقرية من الأمير أثارت ارتياحا كبيرا لدى الشباب السعودي وأصدقاء المملكة. شركة أرامكو تعمل بطاقة إنتاجية تقدر بـ10 ملايين برميل في اليوم، وهي تحظى بحصة ثابتة تصل إلى عشرة بالمئة من الإنتاج النفطي في العالم، وتقف على احتياطي هو الأضخم في العالم يصل إلى 160 مليار برميل. والشركة تمتلك فروعا إنتاجية ضخمة داخل البلاد وفي الولايات المتحدة من صناعات التكرير والبتروكيماويات. أي أن السعودية حققت حلم شاه إيران القديم في حقل البتروكيماويات، في الفترة الطويلة التي كانت فيها إيران تحت العقوبات، وهذا أحد أهم أسباب العداوة بين البلدين، فإيران ترى أن السعودية قد حظيت بالرفاه على حسابها.

حتى الآن تمتلك المملكة ثروة سيادية نقدية هي الأضخم عالميا تُقدر بـ850 مليار دولار في شكل استثمارات حول العالم. وتصريح الأمير محمد بن سلمان مهم للغاية لأنه يعلن عن عزم المملكة على إعادة صياغة وهيكلة اقتصادها.

عشر سنوات من ارتفاع أسعار النفط من 2003 وحتى 2013 لم يؤد إلى اعتماد المملكة على النفط بشكل أساسي فقط، بل جعلها من أكبر البلدان التي تقدم فرص عمل حول العالم. الانخفاض الحاد اليوم من 100 دولار للبرميل إلى 39 دولارا منذ منتصف 2014 حتى اليوم، أدّى إلى انخفاض حادّ في دخل البلاد وعجز مستمرّ في الميزانية، وهذا طبعا يؤدي إلى خفض الدعم للخدمات العامة والمنح.

المتخصصون يقولون إن السعودية تنفق من رصيدها السيادي اليوم ما يقارب 10 إلى 15 مليار دولار شهريا لسدّ العجز الحادّ في الميزانية. أي أن الاحتياطي السيادي الذي تملكه البلاد قد انخفض من 850 مليار دولار إلى 600 مليار دولار. ورغم تطمينات الحكومة الواثقة قرأنا على التواصل الاجتماعي نوعا من القلق عند الشباب السعودي، فنصف السكان تحت سن 25 سنة، وهذا يضيف عبئا إضافيا على الحكومة التي عليها التفكير في خلق فرص عمل تصل إلى ثلاثة أضعاف الفرص التي خلقتها في العقد الماضي، تحت هذه الأسعار المنخفضة للبترول.

إن خطة الأمير محمد بن سلمان لإعادة هيكلة الاقتصاد تبدو واعدة ومنطقية إلا أنه لم يتم الإعلان عنها بالتفصيل بعد. سيتم الإعلان عنها في 25 أبريل الجاري وهي تعد بأن السعودية ستبدأ بجني أرباح استثمارية تصل إلى 100 مليار دولار سنويا ابتداء من عام 2020 بحسب بعض المصادر. هذا دخل إضافي يجعل من البلاد غير معتمدة كليا على النفط في دخلها.

الخبراء يقولون لو أن هذه الخطة طُرِحَت في مرحلة ارتفاع الأسعار لكانت أسهم الشركة أعلى من قيمتها الحالية، والأمر الآخر هو العثور على مستثمرين في شركة عملاقة سيتطلب من الشركة المزيد من الشفافية، الأمر الذي قد يكون صعبا بسبب التعقيد الذي يفرضه ارتباط الشركة بأسرار الدولة.

هذه الأفكار تُزعج إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، كما يبدو. فقد أثبتت المملكة قدرة كبيرة على المناورة الاقتصادية والسياسية والاعتماد على النفس في السنوات الأخيرة. لم تكن الإدارة الأميركية سعيدة بقدرة السعودية على حماية البحرين والتدخل السريع بقوات درع الجزيرة عام 2011، ولم تعجبها قدرتها على حماية مصر من الانهيار، ولا التدخل في عاصفة الحزم باليمن وعزل الحوثيين من السيطرة المطلقة على الجيش والعاصمة صنعاء، وتحويل مضيق باب المندب إلى قاعدة عسكرية إيرانية.

كما لم تستطع الإدارة الحالية في البيت الأبيض الترحيب بتلك القدرة على بناء التحالفات العسكرية والمناورات الكبيرة والجمع بين الفرقاء لمواجهة المشروع الإيراني، والميليشيات المسلحة، وعزل حزب الله اللبناني، والإصرار على خلع الرئيس السوري بشار الأسد. كل هذا والمملكة رائدة في مكافحة الإرهاب والإسلام السياسي السني بكافة أشكاله، بإرادة دولة أصبحت مركزية ولا يمكن تجاوزها في المنطقة.

السؤال هو ما حجم الخلاف بين أميركا والسعودية اليوم؟ مقال منشور في نيويورك تايمز يتحدث عن رغبة بعض الدوائر الأميركية بتمرير قانون يسمح بمحاكمة السعودية كمسؤولة عن هجمات 11 سبتمبر 2001، ووزير الخارجية السعودي يهدد بسحب الودائع البالغة 750 مليار دولار لدى الولايات المتحدة مما قد يسبب انهيارا اقتصاديا عالميا. أوباما أوقف موضوع المحاكمة لأنه كما يقول يعرض حصانة الأميركيين في الخارج للخطر، في حال تم رفع الحصانة عن المسؤولين السعوديين. والخبراء يقللون من جدية التهديد بسحب الودائع السعودية، لأن الريال مرتبط بالدولار، وهم إذا ألحقوا الضرر بالدولار سيلحقون الضرر بالريال السعودي. يقولون الطريقة الوحيدة لإلحاق الضرر بنا، هو أن يقرر السعوديون إلحاق الضرر بأنفسهم.

بعض المسؤولين كما ذكر المقال، يحرضون على تحرك قانوني لتقييد صفقات السلاح للسعودية أيضا، ويتحدثون بسلبية عن استخدام السلاح الأميركي المتطور في اليمن. يريدون وضع شروط على الطريقة التي يستخدم بها السلاح الذي يبيعونه، وتنتقد بعض الجهات التعاون الاستخباري العسكري الذي قدمته بلادهم في اليمن.

المقال غير مريح، خصوصا ونحن ننتظر لقاء الرئيس الأميركي بقادة دول مجلس التعاون. العلاقة السعودية الأميركية ليست في أحسن حالاتها اليوم. هناك خلاف كبير حول إدارة المنطقة، والسعودية ترى خطرا على وجودها وأمنها من طريقة الأميركان في إدارة المنطقة، تلك الطريقة التي أدّت إلى تفكك الدول وانتشار التطرف. الرئيس الأميركي نفسه يعترف بخطئه في ليبيا مثلا.

هناك تخبط حقيقي في السياسة الأميركية، فقبل أيام قليلة أصدر القاضي جورج دانيلز حكما قضائيا يدين إيران بالتورط في هجمات 11 سبتمبر، وصدر الحكم بغرامة قدرها 10.7 مليون دولار بحق الحكومة الإيرانية، بعد إضافة المرشد علي خامنئي كمتهم ثالث مع أسامة بن لادن وحزب الله اللبناني. الولايات المتحدة دولة قوية ولكن عليها احترام تعهداتها وحلفائها في منطقة حساسة ثقافيا وتاريخيا.

الشعوب العربية تعاني، والسعودية كدولة مركزية ساهمت كثيرا في “وقف الانهيار” في كثير من الدول، بينما تستمر إدارة الرئيس أوباما في الغموض، واللعب تحت الطاولة، فاتحة الباب واسعا للتكهنات وانعدام الثقة.

المملكة تجتاز بنجاح اختبار الإرهاب والطائفية السياسية وانخفاض أسعار النفط، وتتجه بثقة نحو مستقبل أفضل للتعايش والاستقرار العربي.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر