السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

عصر الصحافيين المنجمين

بالطبع ستستمر هذه الدوامة وسيستمر ظهور الصحافيين الحائرين الذين يواجهون مصاعب في قراءة ما يجري أمامهم مولدا ارتباكات لا حصر لها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/04/19، العدد: 10250، ص(18)]

هنالك أحداث ومتغيّرات شتى تعصف بعالم السياسة اليوم، والمخفي من خطط الساسة هو أكثر من الظاهر والقرارات التي تتخذ من وراء الستار أكثر من تلك التي تتخذ أمام الستار وعلى هذا صار الصحافي اليوم مطالبا بسبر أغوار تلك المجاهيل.

فمثلا هنالك اليوم صراع انتخابي في الولايات المتحدة، المتصارعون كل منهم يقف على نقيض الآخر، مصير ترامب مثلا ربما يتطلب “قراءة الطالع” لكي تنهي البشرية حبس أنفاسها من كاسحة تدميرية ستجهز على ما اعتادت المجتمعات عليه، هو يريد أن يبني جدرانا عنصرية في أماكن شتى ومستعد للإذن بتعذيب الخصوم وإن عُدّ ذلك خرقا للقانون الدولي، يريد فرض حجر على أمم وشعوب بأكملها إلى آخر ما نضح به ذلك المرشح غريب الأطوار.

ولغرض طمأنة أنصاره كما طمأنة خصومه كان على الصحافي قراءة المشهد من كل جوانبه بدقة: أيّ من المرشحين جدير بالجلوس على كرسي البيت الأبيض؟

وإذا نقلنا عدسة الكاميرا من قاعات إلقاء الخطابات على أنصار المترشحين في الولايات المتحدة إلى قاعة البرلمان العراقي فسنشهد عراكا بالأيدي وزجاجات الماء وقوائم بكابينات وزارية تتطاير من

كل جهة، كل طرف عنده مرشحوه في إطار خرافة عراقية جديدة ظاهرها وزراء تكنوقراط وباطنها مرشحون خرجوا من رحم الطائفية والمحاصصة وهنا يقف الصحافي متحيّرا لغرض تطمين المواطن: أيّ القوائم سيتمّ تمريرها؟ مَن مِن الأسماء سيصبح وزيرا؟ هل حقا سيأتي يوم ويتم التصدي للفاسدين والسرّاق؟

هنا ستسمع مصطلحات صحافية غرائبية صارت تنتشر في تقارير الكثير من الصحافيين ومنها مثلا “تشير التكهّنات”، هذا مثال واحد ولكن لنا أن نتساءل، يا ترى ما جذر تلك المفردة؟ تكهنات وكهانة وكاهن، إذن هو إبحار في الميتافيزقيا الصحافية واستجلاب للصحافيين المتكهنين وضاربي الرمل والمنجّمين، وهنا ستفتقد الصحافة الاستقصائية المعمّقة في مقابل الصحافة الكهنوتيّة الضاربة في الميتافيزيقيا وهي من غرائب عصرنا الصحافي السائد هذه الأيام.

بالطبع من الممكن أن نجد عذرا للصحافي عندما تصل الأمور، في صراع سياسي أو اجتماعي ما، إلى نقطة حرجة من الصعب معرفة ما ستؤول إليه ولكن الكسل الصحافي يحول في بعض الأحيان دون الاستعانة بالإحصائيات وتقارير المحللين والخبراء مما يساعد الصحافي في استجلاء الصورة بدلا من استجلاب مفردات لا تمت بصلة لروح العمل الصحافي وأسسه.

بالطبع ستستمر هذه الدوامة وسيستمر ظهور الصحافيين الحائرين الذين يواجهون مصاعب في قراءة ما يجري أمامهم مولدا ارتباكات لا حصر لها، وسيفتقد الصحافي الاحتراف العالي والمهنية للخروج من المأزق وسيدخل القارئ والمشاهد في دوامة المتناقضات التي أتى بها الصحافي وزج بالجمهور فيها وصولا إلى الاستسلام للوقائع دون الغوص فيها، أي قراءة ظاهر ما يجري دون بذل مجهود كاف للتعمق فيه، ولهذا سيكون أيسر الحلول هو زج القصة الصحفية في متاهة من التكهنات وما يشبه التنجيم، فيما الواقع موار بالمفاجآت والقراءات المتعددة.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر