الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

حماس مسل

المضحك ليس القناعة بأن الأرض ليست ملكك ولكن فكرة أن يتحمس المرء لعدم الملكية هي المضحكة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/04/19، العدد: 10250، ص(24)]

اكتشفت الأسبوع الماضي أن الأحداث السياسية جزء من الحياة بدليل أنها مضحكة. حدثت أمور سياسية مسلية وتثير الابتسام وهذا يثبت أن السياسة مثل الحياة فيها دائما ما هو مسل ومضحك.

الحدث الذي شغل الجماهير كان توقيع اتفاقية بين بلدين تؤول بمقتضاها السيادة على جزيرتين لإحدى الدولتين الموقعتين على الاتفاقية. وهذا كما ترون أمر معقد وفيه عمل لجان ومفاوضات وترسيم حدود وأمور أخرى مضجرة. لكن الممل المضجر صار حماسا متفجرا وملاسنات بل وموضوع مظاهرات وقنابل مسيلة للدموع وعصيا وهراوات. سبب كل هذا موضوع السيادة وترسيم الحدود.

المضحك أن الطرفين المتهاترين في الشوارع والمقاهي والتغريدات وعلى صفحات الانترنت ينظران إلى الموضوع على أنه رأي ووجهات نظر وليس على أنه وقائع ومعاهدات قديمة وحديثة. هذه كلها تجليات لمشكلة أصيلة عندنا وهي مشكلة الخلط بين الوقائع والرأي.

معركة واترلو وقعت في يونيو 1815 وهذا ليس رأيا ومضحك أن يظهر من يقول إن “المعركة لم تقع في رأيي المتواضع”.

تصوروا لو أن محافظ البنك المركزي يقول إن أسعار الفائدة لم ترتفع ويقول له المذيع إن استطلاعا للرأي يكشف أنها ارتفعت. أي رأي؟ أسعار الفائدة شيء واقع يحدده محافظ البنك المركزي وليس موضوع آراء. ويعود المذيع ملاسنا محافظ البنك قائلا “ثمانون في المئة ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أن سعر الفائدة ارتفع، فهل تعتقد أنهم كذابون؟” فيرد المحافظ المذهول “المسألة ليست صدقا وكذبا وسعر الفائدة أمر واقع ومحدد”.

الذين يرون أن الجزيرتين ملك بلادهم غاضبون لأن السيادة انتقلت إلى دولة أخرى. وهذا غضب يمكن فهمه أو حتى تفهمه. المضحك هو الفريق الآخر الذي يبدي حماسا لفكرة أن الأراضي ليست لهم. هذا موقف سوريالي حقا. يعني أن هناك من يغضب ويصرخ قائلا هذه ليست أرضي أنا وأبي لم يضح هنا. هذه السوريالية بعينها. فالذي يعتقد أن أرضا ليست أرضه وقد انتقلت ملكيتها لا يكترث ولا يأبه لانتقالها.

لا بد وأن هناك ملايين العقارات تنتقل ملكيتها كل يوم وهي ليست ملكي لكنك لا تجدني زاعقا مستثارا أمام مكتب العقارات أصرخ “هذا الذي تبيعونه ليس بيتي”. سأكون حينها مثل اسماعيل ياسين في فيلم قديم يصرخ بصوت زاعق طالبا الشرطة ويقول “يا بوليس يا شاويش” وعندما يأتي الشاويش يقول له “الصندوق ده مفيهش قتيل”.

المضحك في هذا ليس القناعة بأن الأرض ليست ملكك ولكن فكرة أن يتحمس المرء لعدم الملكية هي المضحكة. أن يتحمس المستعبد للحرية والانعتاق أمر مفهوم ولكن أن يتحمس أحد للعبودية أمر سوريالي.

الفكرة الأخيرة لم تغب عن مخرج سوريالي عابث اسمه لويس بونيويل (ويقرب الاسم عادة إلى بونويل باسقاط الياء الأولى) ففي أحد أفلامه يصور مشهدا لمظاهرات صاخبة ومواجهات مع الشرطة. المتظاهرون الشباب يفتحون صدورهم للرصاص هاتفين “تسقط الحرية” والشرطة ترشقهم بالرصاص. الغاضبون المتحمسون لفكرة أن الأرض ليست ملكهم يذكرون بمظاهرة بونويل.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر