الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

تداعيات غامضة للمعركة الطائفية في العراق

الصدر يخضع إلى الحسابات الكبيرة في إبقاء الحكم الشيعي وهو جزء من فشل الطبقة السياسية الحاكمة وجزء من المشروع الطائفي الذي أنتج الفشل والفساد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/04/19، العدد: 10250، ص(8)]

أقرب وصف لما حدث داخل مجلس النواب العراقي قبل أيام هو أنه انعكاس للمأزق الذي وصلت إليه العملية السياسية من جهة، والإحباط الشعبي العام من جهة أخرى، لكي تنتفض وتعتصم مجموعة من النواب، يقدّر عددهم حسبما ذكر بـ171 عضوا خرجوا من بطن الكتل السياسية الطائفية الحاكمة من الشيعة والسنة والأكراد، حيث قرروا إقالة هيئة رئاسة البرلمان وتشكيل هيئة جديدة من بينهم، وأعلنوا عن خطوات لاحقة تستهدف مساءلة رئيس الوزراء حيدر العبادي ثم إقالته، وفي الأخير إقالة رئيس الجمهورية.

ادّعى المعتصمون أنهم تحولوا، حسب وجهة نظرهم، إلى كتلة جديدة في المجلس النيابي وفق الدستور، وبغض النظر عما يسرب حول دوافع هذه الخطوة غير المسبوقة في البرلمان ومن يقف خلفها، إلا أنها تكشف عن الإحباط الذي أصاب غالبية أعضائه خصوصا أولئك الذين لم يكونوا جزءا أو يعاونوا إمبراطورية الفساد التي دمرت البلاد منذ عام 2003 وإلى حد الآن. حيث يفترض بالمؤسسة التشريعية أن تكون عين الشعب الرقيبة على الانحرافات الخطيرة، ولكن واقع هذه المؤسسة يؤكد أن البيئة السياسية التي وفرها الاحتلال الأميركي، بإعطاء الدوافع الطائفية والمذهبية الدور القيادي في الحياة السياسية العراقية، هي التي أدّت إلى إنتاج مؤسسة برلمانية خاضعة لما سمي بلعبة “شراكة الطوائفية السياسية” وعدم السماح للتيار الوطني العراقي الديمقراطي الحرّ بأخذ فرصته في قيادة المؤسسات التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية، فالمحاصصة هي المستحكمة في الهيكل الحكومي، وكذلك داخل المؤسسة البرلمانية بهيمنة رؤساء الكتل، والنائب الذي يخرج عن تلك القدسية يُرمى خارج البرلمان.

وبعد أن وصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من تدهور سياسي واقتصادي وأمني، كان من الطبيعي أن تخرج الملايين من الجماهير الشيعية في مظاهرات متواصلة منذ نوفمبر 2011 في ميدان التحرير والمحافظات الوسطى والجنوبية ضد الأحزاب التي تحدثت وتاجرت باسمها لعشر سنوات، وتنتفض ضدّ من أوهمها وخدعها بأنها “تحكم اليوم بعد أن كان الحكم للسنة قبل 2003”، وكذلك انتفاضة العرب السنة في مخيمات الاعتصام عام 2012 في المحافظات السنية ضدّ ظلم الحاكم الجائر المستبد. تلك الاعتصامات التي خطفها داعش في ما بعد لصالحه مما زاد من نقمة الحكام الطائفيين ضد أبناء العرب السنة الأبرياء، ولتنتفض كذلك ضدّ من ادّعى تمثيلهم في الحكم والدفاع عن مصالحهم، إلا أن الواقع يقول بأن أكثر من أربعة ملايين منهم ما بين مهجّر ومشّرد.

واقع تشابكت فيه أزمات الفساد الذي أكل مال العراقيين، مع كارثة احتلال ثلث أرض العراق من داعش، دون أن يقوم رئيس الوزراء الحالي العبادي بواجباته الوطنية بثورة الإصلاح وتقاعسه وخضوعه لهيمنة الحيتان الكبيرة. لقد توفرت لدى العبادي فرصة سحب البساط من تحت قادة الكتل الخائفة على ضياع امتيازاتها والدخول بعملية إصلاحية جادة لكنه لم يفعل شيئا رغم مرور قرابة السنتين على حكمه. وظل يدور داخل دائرة الخوف من الحيتان الكبيرة المتمثلة بالتحالف الشيعي السني الكردي الذي يخشى من تطوّر الحال إلى مرحلة كشف ومطاردة كبار الفاسدين في الحكومة وقيادات تلك الأحزاب.

لقد قدّم مقتدى الصدر حصيلة تحركه في الشارع إلى العبادي في دعوته للتغيير الحكومي والتخلي عن المحاصصة الطائفية، وعرض فكرة التشكيل الحكومي من التكنوقراط التي رفضت من الكتل السياسية، ثم أعاد العبادي مرة ثانية تقديم قائمة جديدة مرشحة من الكتل مما خلق إرباكا داخل البرلمان لكي يبرّئ نفسه. إن الصدر يخضع للحسابات الكبيرة في إبقاء الحكم الشيعي وهو جزء من فشل الطبقة السياسية الحاكمة وجزء من المشروع الطائفي الذي أنتج الفشل والفساد، وحصل التطور الدراماتيكي المتمثل في اعتصام عدد من البرلمانيين داخل قبة البرلمان ومن مختلف الكتل السياسية يتقدمهم جميع أعضاء كتلة التيار الصدري وكتلة إياد علاوي وجزء من كتلة اتحاد القوى السنية وبعض الأكراد، وأعلنوا تمردهم على الكتل الكبيرة.

وبدلا من قيام الكتل السياسية الكبيرة بمراجعة أوضاعها والإذعان إلى صوت التغيير والتحلي بالمكاشفة أمام هيئة البرلمان والشعب العراقي، تمسكوا بقدسيتهم للمحاصصة الطائفية ووقعوا وثيقة سميت “وثيقة الشرف” وهي وثيقة تكريس المحاصصة، وصعدت من الموقف الدراماتيكي. وانقسم البرلمان إلى فريقين: الأول معتصم ضد كل أركان العملية السياسية وأعلن مشروعا تدريجيا للتغيير يبدأ برئاسة البرلمان ثم ينتقل إلى رئاسة الحكومة. هذا الفريق مدعوما من خارج البرلمان، والتفّت حوله الجماهير التي تظاهرت في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية التي اعتبرت ما قام به البرلمانيون هو ثورة تصحيحية للواقع الفاسد الذي ساد العراق، ولإنهاء المحاصصة الطائفية المقيتة. يقابله فريق إمبراطورية زعماء الكتل الكبيرة الحاكمة الذين وقعوا على الوثيقة.

ووسط هذه الفوضى بدأت الاستعراضات المسرحية لخطابات الرئاسات الثلاث المستهدفة من معتصمي قاعة البرلمان، وكذلك المواقف والتصريحات الإعلامية من قبل ممثلي الكتل خصوصا كتلة سليم الجبوري المتمسك بموقعه، وهي خطابات للأسف لم تقدم شيئا جديدا للجمهور العراقي، بل كرست تمسكها بالسلطة تحت يافطة “الدستور” الذي ظل حاميا للفساد والفشل والمحاصصة طيلة السنوات العشر الماضية، وشعارات حماية العملية السياسية من السقوط، والحفاظ على قواعد اللعبة السياسية المكرسة للمحاصصة الطائفية، وتخوين أعضاء البرلمان بتجاوز القانون ومقدسات تلك الرئاسات.

المثير للسخرية أن يظهر أسامة النجيفي مجددا كحام عنيد للعملية السياسية وهو الذي فقد مواقعه السابقة، لكنه يعتقد بأنه حريص على بقاء موقع سليم الجبوري ممثل الحزب الإسلامي الذي يحاول التشبث بموقعه والإعلان بأنه تسلم رسالة طمأنة وثقة من مرجعية السيستاني، وتلك هي الزعامات التي تدعي تمثيل العرب السنة؛ أحدهم يستنجد بالأميركان والآخر بطهران، أمام عجز السياسيين في العراق عن قدرتهم على إدارة أزماتهم، ومثلما كان متوقعا دخل الأميركان مباشرة لحماية العملية السياسية من السقوط، وهم الذين صنعوها قبل ثلاثة عشر عاما. فحضر ممثل الرئيس باراك أوباما في التحالف الدولي، بريت ماكغورك، إلى بغداد وعقد بمعية السفير الأميركي ببغداد سلسلة من اللقاءات المكثفة لمواجهة الموقف، من بينها لقاؤه برئيس الحكومة والبرلمان وبأسامة النجيفي الذي من المعيب أن يعلن بأن الأميركان، وعلى لسان ماكغورك، يعتبرون عدم مشروعية إقالة الجبوري، والخروج بحلول سلمية وسطية تحمي الانهيار التام لتاج حكم المحاصصة تحت مبررات الحرب على داعش واحتمال تأجيل معركة الموصل بسبب الأزمة السياسية حسب المخاوف التي أبداها السفير الأميركي الأسبق بالعراق خليل زلماي زادة في مقالة له. وقبله أعلن وزير الخارجية جون كيري تمسك إدارته بالعبادي.

كما جرت خلال الأيام الأخيرة نشاطات على مستوى قوى التأثير الدينية، لتقوية وضع الكتل السياسية الطائفية، فعقدت مشاورات برئاسة حسن نصرالله في بيروت بحضور مقتدى الصدر وممثل عن مرجعية السيستاني جواد الشهرستاني وممثل عن نوري المالكي. ويقال بأن الانقسام السياسي العميق هو شيعي شيعي بين ولاءات ومرجعيات متناقضة في كل من قم والنجف.

لقد تصاعدت حدة التشرذم لدرجة افتقدت فيها جميع معايير اللياقة الديمقراطية، وتمّ الالتفاف، مجددا، على دعوات التغيير من داخل العملية السياسية، وإلى حدّ كتابة هذه السطور مازالت فصول المسرحية مفتوحة على احتمالات دراماتيكية غير معروفة، حيث تسعى الحيتان الكبيرة من الشيعة والسنة إلى مسك زمام المبادرة، وتخوين دعوات الإصلاح الداخلي التي عبر عنها البرلمانيون، وتجري حاليا عمليات الابتزاز والمقامرة والترغيب والترهيب مثلما جرت طيلة السنوات السابقة لصالح بقاء المحاصصة الطائفية ومكاسب الأحزاب الحاكمة، ولا يعرف مصير المعركة الشيعية الشيعية، فيما يظل الشعب العراقي المظلوم يتفرج على مسرحية ذبحه وتشريده وسرقته التي يقودها جميع قادة وشركاء العملية السياسية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر