الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الكرسي.. سكرة السلطة وشهوتها المزمنة

السيسي يجادل دائما بأنه مسؤول سيقدم إلى الله يوم القيامة كشف حساب، وهذا تجاوز لدستور أقره الشعب، ينص على محاسبة الرئيس ومراقبة أدائه ولا يجعل منه إلها لا يحاسبه إلا إله.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/04/19، العدد: 10250، ص(9)]

يختلف البشر على كل شيء ويشكّون في كل أحد، ولكنهم يُجمعون على يقين واحد هو الموت. ربما كان جلجامش آخر سلالة الباحثين عن الخلود، في الملحمة السومرية التي نسفت لديه فكرة الخلود بعد موت صديقه إنكيدو. كان درس سيدوري لجلجامش أن “الآلهة لما خلقت البشر جعلت الموت لهم نصيبا”، ونبهته إلى أن “نصيب البشر من الحياة” هو الفرح واقتناص لذات صغيرة وتلك حكمة لا ينصت إليها أغلب من يصيبهم كرسي الحكم في العالم العربي بالهوس رغم ما حفل به ماضيهم من ورع أقرب إلى زهد المضطر، قبل أن يمر بتجربة، وهو ما حرص المسيح على أن تتضمنه الصلاة “ولا تدخلنا في تجربة” (متى، الآية 13 الإصحاح السادس).

اللذات الصغيرة، أولها النساء والقناطير المقنطرة من الذهب، تغني عشاق الحياة عن شهوة السلطة التي يدمنها العاجزون عن الفرح. يروى أن الحسن بن علي تزوج تسعين امرأة، وأن “مئتي امرأة حرة تزاحمت للزواج منه”. كانت أشواق الجسد أحب إليه من حكم لم يقاتل في سبيله، وتنازل عنه حقنا للدماء. وعي لا يدركه رجال عجزة يعوضهم إغراء السلطة عما ينقصهم من القدرة على التمتع بالنساء. من هنا ينشأ الاستبداد.

في كتابه “في خيمة القذافي.. رفاق العقيد يكشفون خبايا عهده” يوثق غسان شربل شهادات إحداها لعبدالمنعم الهوني الذي صاحب القذافي في زيارته الأولى للقاهرة عام 1969، وبعد أربعة لقاءات للقذافي مع عبدالناصر، كان رأي القذافي أن “عبدالناصر رجل بوليسي”، وصدقه الهوني الذي يعرفه منذ عام 1963، ويقول إنه كان “شديد التأدب في حديثه وشديد البساطة في عيشه ويكره البهرجة في اللباس… شديد التمسك بمواقيت الصلاة ويحض الآخرين على التزامها”، واشترط على من ينضم إلى التنظيم أن يتصف بأمور “كلها أخلاقية أي يصلي.. بعضهم كان يتهمه بالإفراط في المظاهر خصوصا حين يكون في النادي العسكري ويحين موعد الصلاة وينادي الحاضرين للصلاة معه… كان يعارض استخدام أي شتيمة في الحديث أو أي نعت قاس بحق أحد الزملاء”، وحين اقترب موعد الحركة شدد على أن تكون بيضاء لا يراق فيها دم ليبي واحد. أما عبدالرحمن شلقم فيصف القذافي بأنه “كان شبه قديس. يواظب على الصلاة والصيام. استقامته وورعه كانا مصدر إحراج لرفاقه… كانوا لا يلعبون الورق في حضوره ويطفئون السجائر إذا وصل”. ويروي علي عبدالسلام التريكي أن القذافي كان يجري محادثات في الكرملين، عام 1971، ونظر إلى ساعته، وذهب لصلاة العصر، “ولعلها كانت المرة الأولى التي يقيم فيها السوفييت حفلة على شرف زعيم زائر ولا يقدمون الخمر”. وبعد الثورة سوف يصفه التريكي قائلا “مؤكد أنه دموي”.

لا يختلف القذافي إلا في الدرجة عن الكثيرين “طال عليهم الأمد فقست قلوبهم”، من حسني مبارك وزين العابدين بن علي، إلى علي عبدالله صالح؛ لأن الأفق المفتوح من غير محاسبة برلمانية أو شعبية يفسد أي إنسان، ولو كان نبيا رسولا، ولهذا ابتكرت الحداثة السياسية نصا دستوريا ملزما يحول دون استمرار الحاكم أكثر من فترتين، مهما تكن نزاهته وإنجازاته وشعبيته. فلا أحد يضمن النجاة من فخاخ السلطة المطلقة وإغراءاتها.

وقد أصبح بحث جامعة ستانفورد عام 1971 من كلاسيكيات التجارب النفسية. أجريت تجربة المحاكاة على مجموعتين من طلاب الجامعة المتطوعين، قامت الأولى بأدوار السجناء، والثانية بأدوار السجانين، ولكن أداء دور تمثيلي انقلب إلى حقيقة؛ فبعد أسبوع رفضت المجموعة الأولى الاستمرار، وأبدت ضيقها باستبداد الثانية ومغالاتها في القمع والإهانة التي تبلغ درجة السادية، ولكن الذين ذاقوا لذة ممارسة السلطة كانوا مستعدين لمواصلة أداء الدور، غير مبالين بتعرض بعض السجناء لنوبات بكاء فما كان من عالم النفس الأميركي فيليب زيمباردو إلا أن قال “أوقفوا هذه التجربة فورا”.

وفي مصر حاليا تجربة قيد التصنيع، وربما خرجت من الورشة إلى واجهة المعرض، وبطلها عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع السابق، وقد تمكن من إعادة ثقة الشعب بالجيش بعد أخطائه في إدارة المرحلة الانتقالية عقب خلع مبارك. أقسم السيسي بأن الجيش لم يطلق رصاصة على مواطن، “إيدينا تتقطع قبل ما تمسكم”، واعتبر الشعب هذا الكلام تعهدا من وزير صار مرشحا رئاسيا يتعهد بالتحاور مع الشعب إذا جرى خلاف في وجهات النظر “إما تقنعني أو أقنعك”. ولكن التعهد انهار بعد سلسلة أخطاء لم يحاسب مرتكبوها، وكثيرا ما كتبت عن ضحايا انتهاكات واعتقال وحبس احتياطي بلا سقف، وآخرها الأسبوع الماضي في “العرب”.

أما التعهد الأخير “إما تقنعني أو أقنعك” فنسيه السيسي، “كلنا بننسى على الكرسي”، كما قال نجيب سرور.

سأدلل على ذلك بواقعة واحدة شقت الصف الوطني المصري، بعد الإعلان عن تنازل مصر عن جزيرتين، وهذا ليس قضيتي اليوم، وإنما أتوقف أمام لقاء السيسي بممثلي البرلمان والنقابات والمجلس القومي لحقوق الإنسان وأساتذة جامعات ومثقفين وإعلاميين. يضيق السيسي بالمختلفين معه ولا مجال هنا للمختلفين عليه، ودائما يجادل بأنه مسؤول سيقدم إلى الله يوم القيامة كشف حساب، وهذا تجاوز لدستور أقره الشعب، ينص على محاسبة الرئيس ومراقبة أدائه، ولا يجعل منه إلها لا يحاسبه إلا إله. ما جرى الأربعاء الماضي لم يكن لقاء ولكنه محاضرة لا أعرف متى انتهت ولا كيف؟ كل ما أعلمه أن العامية اختلطت فيها بالفصحى، والهزل بالجد، إلى أن طرح أحد الحضور سؤالا عن مشروع المليون ونصف المليون فدان أعلن عن استصلاحها للزراعة، وطلب البرلماني محمد كلوب الكلمة، فإذا بالرئيس يغضب “أنا ما أديتش لحد الإذن إنه يتكلم”، وانقطع البث التلفزيوني قبل أن يكمل السيسي كلامه.

بداية كاشفة، ومبكرة جدا مقارنة بآخرين.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر