الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

كتب مظلومة

الرواية التي ابتدأت كبحث في مادة تاريخية فعلية مصدرها الأساس وثائق وصور عائلية ومراسلات بين أقارب حقيقيين للكاتب -سعى إلى تجميعها بكل الوسائل.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/04/20، العدد: 10251، ص(15)]

كثيرا ما كنت أحار في تفسير ارتباط روائيين استثنائيين بأعمال بذاتها لا تعكس أحيانا عبقريتهم الفعلية، وتحجب الضوء عن نصوص فاتنة أخرى لا تحظى بالشهرة الكافية، وتبدو مجرد هوامش وتفريعات عابرة، ربما لصغر حجمها أو ارتباطها بتفاصيل سيئة السمعة، أو فقط لكون الروائي غزير الإنتاج لم يفلح في إعطائها حاجتها الكافية من العناية، أذكر هنا رواية “مذلون مهانون” التي لا يحسبها عدد كبير من القراء من ضمن أعمال دوستيوفسكي، كما أذكر رواية “روابي إفريقيا الخضراء” التي تحكي ولع أرنست همينغواي بالقنص، حيث بدا إنسانا فطريا مجبولا على العنف، لا كما يتجلّى في رواياته المبجلة من مثل “وداعا للسلاح”.

وفي السياق العربي أستحضر رواية “حضرة المحترم” لنجيب محفوظ، و”قصة حب مجوسية” لعبدالرحمن منيف، و”يوميات سراب عفان” لجبرا إبراهيم جبرا، وغيرها من النصوص المنسية أو المظلومة. استحضرتها جميعا وأنا أعيد قراءة رواية “بدايات” لأمين معلوف، ذلك النص الذي أقنعني فعلا بأن الروائي اللبناني الفرنسي، لم يكتب شيئا بعيدا عن سؤال الأصول، بدا بمثابة النص القاعدي.

يروي معلوف في “بدايات” حكاية عائلية تعود بنا إلى الأجواء التاريخية لمطالع القرن الـ19 التي عشناها معه في”صخرة طانيوس”، و”سلالم الشرق” و”رحلة بالداسار”، في ارتباط بأمكنة تراوح ما بين قرية زحلة ومدن بيروت وإسطنبول وسالونيك، ثم باريس ونيويورك وهافانا… فضاءات مشعة متشابكة الأطياف والظلال، تنعجن في كيمياء تخييلية مدوخة من الأحداث السياسية، والتحولات الاجتماعية، والاحتدامات الطائفية.

وسرعان ما يبدو ولع الكاتب من دون حدود، بإعادة صياغة الأساطير والمحكيات المحلية، غير أن المأرب الروائي لا يكتفي، في نص “بدايات”، باستثارة التاريخ عبر ذرائع المتخيل، بل القصد يتعلق بمسار قريب إلى حدّ كبير من الحقيقة؛ سيرة تاريخية، موثقة، لرحلات آل معلوف وتغريباتهم المتعاقبة، وتحولات مصائرهم، وفجائعهم ونجاحاتهم، تشخصها نماذج من شخصيات ساحرة، لأقارب متألقين، امتزج فيهم التاجر، بالطبيب، برجل الدين، بالعلماني، بالماسوني، بالمحب للحياة، بالمنخرط في أحابيل السياسة، بالمأخوذ ببريق الثروة، بما لا يحصى من الطبائع والأهواء والمهارات.

والمحصلة أن الرواية التي ابتدأت كبحث في مادة تاريخية فعلية مصدرها الأساس وثائق وصور عائلية ومراسلات بين أقارب حقيقيين للكاتب -سعى إلى تجميعها بكل الوسائل، إثر حديث جمعه صدفة بأحد معارفه الدبلوماسيين سنة 1999 ستنتهي بعد رحلات مكوكية بين كوبا والولايات المتحدة ولبنان، إلى مزيج من السيرة الذاتية، والأسطورة العائلية، والتحقيق الصحافي، ومذكرات السفر، في صيغة تترك الانطباع بأن مصير الذات لا يمكن أن يكون إلا استبدالا بليغا لمصائر الأجداد.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر