الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

بين أحضان التاريخ

نستقلّ القارب فيتهادى تحت جسدينا ونحن نكمل الأنخاب ونواصل قراءة اللفائف وفك أحجيات التاريخ.. تتلقى حواسنا طعم الجمال وتتلمس نعومة لحظاته الفاتنات.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/04/20، العدد: 10251، ص(21)]

ندخل معا كهفا تفوح من أحجاره رائحة القـِدَم.. قطع جرار مكسـّرة من عصور مندثرة تتناثر أمامنا.. تلوح من إحداها لفائف ومدونات حوَتْ رسوما ورموزا غريبة.. نفتح اللفائف ونقرأ معا تعويذة النوستالجيا.. لسنا بعاشقين لنهنأ معا بمتعة جسدين.. ولذا كان رائعا أن نصطفي رحلة الروح ملاذا أو مراوغة..

نتربع على الأرض.. نتهجى الرموز ونحاول أن نفك الطلاسم ونستنبط المعاني والتعابير.. ندخل عالما موغلا في رحم التاريخ.. يتوالد فينا على مهل ويتفاقم وينمو كروما وأشجار زيتونٍ وبساتين نخيل.. تعلو الدعائم وتنتصب المعابد تزيّنها الفسيفساء والشواخص وتماثيل الآلهة.. الأحجار تنبض.. وتتناهى لأسماعنا أنغام قيثار وأصوات غناء شجي..

“اخلعي نعليكِ فأنتِ على عتبة التاريخ”.. يقول وقد ارتجف صوته وبُـحّ من رهبة ما يشهد.. فأخلع نعليّ وأنا اُواصل رحلة الروح.. أهجسُ برودة تداعب أصابع قدمي.. فأنتعش وأنا أرى الينابيع والعيون تنبجس من باطن الكهف رقراقة صافية..

يملأ إحدى الجرار بعذب الماء ويصبه في كأسين.. “نخب عالمنا الفاني الأول يا ربـّة الخلود”.. نحتسي معا سلافة اللوز بنكهة التصوّف.. ونسمع صوت أنكيدو وهو يشق القبر محدثا رفيقه عن أحوال الراحلين.. وصوت كلكامش وهو يتحدى الآلهة صادحا “الخلود نحن”…

يزهو الجمال من حولنا وإن لم تقو بصائرنا أن تراه.. يتناسل ويتناسخ ويتجدد ويعيد كتابتنا بنـُسخٍ مزيدة منقحة.. لا ضير إن أفسدَنا التنقيح.. فالآتي يعلن جماله والهطول يقف على عتبة الانتظار.. نتقافز بحرية بين سهول المعرفة وبحر الخيال الشاسع.. فنشهد بزوغ شمس الرضى والارتياح من بين أمواج الأفق المديد..

الماء ينسل من تحت أقدامنا ويشق طريقه بين الصخر والرمال.. فنتبعه إلى عتبة باب النهر الأول حيث انتصبت برحيّة تتغنـّج سعفاتها إذ يخاصرها نسيم عابق برائحة الطلع و”شبوي” الأمسيات..

نستقل القارب فيتهادى تحت جسدينا ونحن نكمل الأنخاب ونواصل قراءة اللفائف وفك أحجيات التاريخ.. تتلقى حواسنا طعم الجمال وتتلمس نعومة لحظاته الفاتنات بانفعال ودهشة.. نطيل التأمل إذ يهدهدنا الموج فنقاوم إغفاءة تتسلل إليها أغاني اُمهاتنا ممزوجة بسجع الكهان.. وتنساب التراتيل فتشنف أسماعنا باُلفتها.. وتنفك الطلاسم فتغدو الأسرار أسراب نوارس تتطاير حولنا وتحط على طين الضفاف.. تتكشف الحقائق وتنحسر أثواب العتمة عن سطوع دامغ..

لؤلؤ وأحجارٌ وفيروز يتفتح محاره في القاع ليعلو على سطح الزرقة.. هذا هو حجر الماضي الذي تنامى حضارة بعد أخرى.. فالحاضر لن يكون إلا غرسٌ وطرح فاكهة يانعة وثمار إنجاز.. نحن أبناؤهم يا صديقي!.. نحن من نسل أول حرف عرفه التاريخ.. نحن فسائل تلك البرحية الطاعنة بخصب الأرض وعذوبة الجداول.. نحن أولى بالتلامع فلا تصدق غير قلبك إن أمحل فيك الأمل.. نحن أولى بالسطوع فلا تطاوع وجلهم.. ولا تنحني فالنخل لا يموت إلا وقوفا.. وأرض مثل أرض سوادنا، وإن طال مكوث الموت فيها، بيد أن الفناء لا يطيق فيها البقاء..

اخلع قلقك فأنت على عتبة الآتي.. ولك أن تعيد قراءة تاريخك.. لكنه لن ينفك عنك وعني.. فنحن بين أحضانه وإن طال الفراق..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر