الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

فاتورة تحجيم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أوهم حراس الفضيلة- ضمن نظرتهم الدونية للمجتمع- الناس البسطاء بأنه في حال غياب الهيئة سوف يتحول المجتمع إلى لاس فيغاس آخر، فسيعم الانحلال، وستحل الفوضى، وستكون النساء بغايا، والشباب ذئابا مفترسة.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/04/20، العدد: 10251، ص(9)]

منذ أن صدر الأمر الملكي في السعودية بتحجيم دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقليص صلاحيتها - في إطار النصح والإرشاد والتبليغ عن المخالفات الأخلاقية لدى الجهات الأمنية المختصة بوزارة الداخلية- والشارع السعودي منقسم بين مؤيد ومعارض.

وتأتي أصوات المعارضين من خلفيات دينية لا تخلو من اتهامها بالتخوين وبالداعشية، لا سيما وأنها هي نفسها الأصوات التي كانت تلزم الآخرين بإطاعة ولي الأمر، وبعدم الخروج عليه أو معارضة قراراته، غير أنها الآن تعارض بصوت عال مناقضة لأدبياتها التي صدّرتها للرعية سابقا. الأمر الذي يجعلنا أمام ازدواجية في معايير التيار المعارض وفق مصالحه التي تجعله يستخدم أدبياته كفزاعة فحسب.

هذا الانقسام يمكن قراءة ملامحه من خلال فهم بنية العقلية السعودية التي اعتادت على الرعاية لسنوات من قبل رجال الدين، وذلك في ظل غياب المؤسسات المدنية والثقافية الحرة القادرة على القيام بدورها دون أي رعاية دينية مشروطة بالتقيّد الشرعي على مستوى الموسيقى والغناء والاختـلاط واشتراطات أخرى لا عدّ ولا حصر لها. فلم يعد بالإمكان، بين ليلة وضحاها، أن يستوعب الرعاة أنهم لم يكونوا بحاجة في الأساس لهم، وأنهم قادرون على الحياة بشكل طبيعي مثل بقية البشر في الكرة الأرضية في ظل وجود جناح الداخلية القوي والرادع على المستوى الأمني، فضلا عن المستويين الأخلاقي والاجتماعي.

لا شك بأن المملكة العربية السعودية تتعرض مؤخرا لهجمة شرسة من الميديا الغربية بمحاولة إلصاق نبتة داعش بها من خلال مقارنات المتابعين لتطابق المرجعية الثقافية والدينية والتعليمية التي تبتني عليها فتوى داعش في الخارج، وفتاوى الهيئة في الداخل على مستوى تطبيق الشرع و”حكم الله” للمخالفات الدينية والأخلاقية. وكان لا بد أن تتعامل السعودية مع هذه الهجمة الإعلامية بذكاء وبسرعة دونما مجاملة لأحد على حساب مظهرها العام، ممسكة بشعرة معاوية دون أن تخسر مصداقيتها الدينية التي قامت الدولة عليها من جهة، وأيضا دون أن تتحوّل لدولة رجعية يقودها الدينيون.

ما زاد الطين بلّة الفضائح المتتابعة التي يسوقها بعض رجالات الهيئة على أنفسهم بين فترة وأخرى بتجاوزاتهم اللانظامية، منتهكين حقوق الناس وحرياتهم عبر الشكوك في نواياهم، ومراقبتهم، وملاحقتهم، والقبض عليهم، وسحلهم في الشوارع من دون وجه حق أو مسوّغ قانوني. ولعل فضيحة فتاة مول النخيل بالرياض، والقبض على الإعلامي علي العلياني وتصويره والتشهير به كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. هذا الحرج الكبير الذي تعرضت له المملكة كان لا بد من التعامل معه سريعا حتى لا يتسع الشق على الراقع.

لقد أوهم حراس الفضيلة - ضمن نظرتهم الدونية للمجتمع- الناس البسطاء بأنه في حال غياب الهيئة سوف يتحوّل المجتمع إلى لاس فيغاس آخر، فسيعمّ الانحلال، وستحلّ الفوضى، وستكون النساء بغايا، والشباب ذئابا مفترسة، لكنه لا شيء من ذلك حصل أو سيحصل، فمكوّن المجتمع السعودي لا يختلف إطلاقا في نسيجه الاجتماعي والنفسي عن أبناء الخليج والعراق والشام ومصر وبقية الدول العربية، في كونه مجتمعا محافظا قبل وبعد الهيئة. وإن محاولة شيطنته ما هي إلا وهم عاش في رؤوسهم فقط.

أخيرا، لقد استجابت الإرادة السياسية السعودية لأصوات مثقفيها التي طالبت منذ سنوات بإلغاء أو تحجيم الهيئة واستدماجها، وكذلك قدّمت نفسها أمام المجتمع الدولي كدولة إصلاحية متجددة لا تتردد في التغيير والتجديد طالما كان ذلك لمصلحتها العامة. ولكن هل يكون ذلك دون فاتورة سياسية تقّدم للمؤسسة الدينية الرسمية المتمثلة في هيئة كبار العلماء الذين لم يستشاروا في هذه الخطوة، كما لم يستشاروا سابقا في قرار دخول المرأة السعودية في مجلس الشورى، وفي المجالس البلدية؟

هذا هو السؤال المهم الذي لن تكون إجابته في الفترة القادمة واضحة إلا في حال استتبع هذا القرار بقرارات سيادية شجاعة أخرى على صعيد حقوق المرأة، وحرية التعبير، واستقلالية المؤسسات الثقافية والمدنية.

كاتب سعودي

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر