الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

رسمي الخفاجي يبحر في ظلال العراق التجريدي ما بعد 2003

  • كما يتمنى اللبناني أن يعود به الزمن لكي يعيش وطنه في فترة الستينات وبداية السبعينات، بغض النظر عمّا إذا كان عايش هذا الزمن أو سمع عنه، يودّ الفنان العراقي رسمي الخفاجي كذلك لو يعود العراق كما كان من قبل، أي قبل سنة 1977، ليتمكن من العثور على حلاوة العيش مجددا.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(17)]

تداخل بصري عجيب بين الداكن والفاتح

بيروت - ربما تشكل أمنية أن يعود العراق كما كان من قبل محورا أو منبعا لأعمال الفنان العراقي رسمي الخفاجي التي أنجزها منذ هجرته القسرية عن العراق، لتُشاهد مؤخرا عند عرض أعماله الأخيرة في صالة “آرت سبيس” البيروتية.

يُذكر أن الفنان ولد في الديوانية، وحصل على شهادته الجامعية في الفنون من بغداد ثم غادر إلى إيطاليا، حيث حصل على شهادة أخرى في الفنون. هناك مكث لمدة تفوق ثماني وعشرين سنة، أين رسم وأقام المعارض ونال الجوائز وعلم الفن، لم يزر الفنان العراق إلاّ بعد الغزو الأميركي سنة 2003، بعد ذلك تحولت أعماله الفنية الملونة إلى تقشف دائم قوامه الأسود والأبيض بجميع تدرجاتهما.

ما يسرده الظل

كل أعمال الفنان المعروضة في صالة “آرت سبيس”، والتي يفوق عددها 25 لوحة فنية، مشغولة بالحبر الأسود على ورق تعامل معه الفنان حينا كمسطح أملس يتلقى اللون، وحينا آخر كمساحة منفعلة تأثرت بفعل الحفر، أو الخدش الذي أجراه بدقة شبه مجهرية بغية استنطاق الورق وإيقاع الالتباس بين ما هو مرسوم ومحفور، وبين ما هو مُسطح ونافر.

التباس وتداخل برزت عبرهما أبعاد الأشكال والخطوط والنقاط والحروف الغائمة التي أسس بها الفنان خلفية لوحته وعناصرها على السواء.

أطلق الفنان على معرضه هذا عنوان “بديل المكان” أو “أوطان أخرى”، أما ما يسرده الظل الكامن في مجمل لوحاته، فهو استحالة الانتماء إلى وطن واحد، إيطاليا هي الوطن وكذلك هو العراق وباقي المدن العربية التي دأب الفنان على زيارتها.

في حين يكتسب مفهوم الظل في الفن التشكيلي معايير شكلانية واضحة، فالظل هو اللون في لوحته وله تدرجات سوداء وإغماءات بيضاء، وقد يكون ذلك من أهم الأسباب التي جعلت أعماله الفنية أشبه بهلوسات بصرية، وإن اشتدّ فيها عمق الأسود ونبض بها الأبيض.

لا يشعر الناظر إلى لوحات الفنان بأنه أمام غياب للألوان، بل هو أمام عالم هو أصلا خارج وجود الألوان، فلا هو ينقصه حضور الألوان ولا الألوان تتوق إليه، أي إلى عالم لوحته.

من هذا المنطلق استطاعت لوحاته أن تعبّر على حدّ السواء؛ عن الفرح والدهشة والحميمية، وعن الحزن والإحساس بالفقدان والشعور بالانتماء، فقط عبر استخدام اللون الأسود واللون الأبيض مع كافة تدرجاتهما.

تكاد لا تخلو لوحة من لوحاته من تلال أو أجزاء تظهر خلفها تلال أخرى حتى التلاشي في مكان ما، تبدو التلال وكأنها من وحي تلال توسكانا الإيطالية بالغة الخضرة وكثيرة الألوان، وقد استطاع الفنان أن ينقلها إلى آفاق لوحاته دون أن تخسر شيئا من معالمها المُشرقة والمُطيّبة للخاطر.

الناظر إلى لوحات الفنان لا يشعر أنه أمام غياب للألوان، بل هو أمام عالم هو أصلا خارج وجود الألوان

كل ذلك، وهو ما انفك يغمس ريشته بالحبر الأسود ويخربش الورق بأثلام نافرة ومقعرة غير منجزة البتّة عن طريق الصدفة، ولعل أجمل ما في هذه التلال أنها تمدّ النظر وتمنع الأسود من أن يحدّ أي معلم من معالم اللوحة، حتى أن في بعض اللوحات تبدو التلال أشبه بخبز منتفخ خرج لتوّه من الفرن، ممّا وهب اللوحات صدى محببا لما عرفه كل عراقي ولد وعاش بداية حياته في العراق.

قد يكون لزيارة الفنان إلى العراق بعد غياب دام 28 سنة أثر كبير في تحوله عن الألوان، فقد عثر على عراق لم يتعرف عليه، إذ بات في نظره عراقا تجريديا ضاعت ملامحه المعهودة والمشرقة، لتحل مكانها شذرات ذكريات لمعت هنا أو هناك، فتلقفتها عين الفنان وعجنها قلبه قبل أن تلوحّها نار الغربة، دخل الأسود وبالتالي الأبيض إلى لوحته واستقرا هناك، في أبعادها وبين تلافيف وتعاريج وتدفقات أمواجها.

أمواج الحبر

هناك أمواج في لوحات الفنان رسمي الخفاجي، أمواج لها إيقاعات وإنسيابات مختلفة تتباعد حينا وتتقارب حينا آخر، لتلقي بزبدها على ضفاف المشاهد المتقشفة أو على أطراف عناصرها.

تبدو هذه الأمواج متعددة الأشكال في لوحات كثيرة، كأنها صور أخذت عن مشاهد من فيلم متحرك، مشاهد متتالية لا تهدأ ولا تسأم من أن تتوالد من بعضها البعض، كما تفعل ندف الذكريات حينما يتتالى بعضها تلو بعضها الآخر، لتثبت في دقيقة ما، أو في زاوية ما من زوايا اللوحة.

تبرز قدرة الفنان على إقامة تداخل بصري كبير بين الغامق والفاتح، وبين الخطوط والأمواج لتؤكد على عالم داخلي لا ينفك يتشكل، وقد تأثر الفنان بوجوده في فلورانسا، كما تأثر بعصف الذكريات والأماني التي ما برحت تحرك الخطوط والنقاط في لوحته، لتأخذ أشكالا مختلفة وواضحة الملامح ومشبّعة بأجواء صوفية مشرقية.

نذكر من اللوحات تلك التي يظهر فيها ما يشبه جامعا من طين ذا هلال مُضيء ومُضاء، ونذكر أيضا اللوحات التي تظهر فيها أشجار أو ظلال أشجار تعتلي تلالا شاهقة تشبه خليات النحل، أو تشكلات الطين المجاورة لنهر الفرات، وهناك لوحات تظهر فيها جذوع النخيل وهي تتداخل مع بعضها البعض في إيقاع موسيقي/ بصري لافت.

لوحات الفنان رسمي الخفاجي هي عزف مُنفرد يلوّحه حزن رقيق، استطاع الفنان أن يضبط إيقاعه حتى لا تغرق الأعمال في أشراكه الحريرية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر