الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

أحمد عنان يرسم المرأة العربية بين الخفاء والتجلي

  • هنالك مشهدية فنية واضحة في الساحة الثقافية البحرينية مدعومة بفنانين حقيقيين آمنوا بأنفسهم، فأصروا دوما على تقديم التجارب المدهشة التي تليق بتأملاتهم الشخصية وخبراتهم اليومية، وأحمد عنان واحد من أهم الملامح المعاصرة في التجربة البحرينية التشكيلية الجديدة التي مازالت تجدد لنا الدهشة في اشتغالاتها التشكيلية عالية المزاج.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(17)]

رسوم تتحدى مقص الرقيب

لا يزال الفنان البحريني أحمد عنان قلقا ومشغولا بمشروعه التشكيلي الذي انطلق في الخبر (شرق السعودية) في مطلع 2015، تحت عنوان “خصلة تعب” مستحضرا ذاكرة طفولته البصرية مع نساء القرية البحرينية في الماحوز، ومستلهما من فضاءات المكان إرثا لونيا عاليا استطاع من خلاله أن يقدّم للمتلقين مشروعه في إطار فني مختلف.

ويبدو أن متعته البصرية وقلقه اللوني حيال هذا الإرث لن ينتهيا أيضا، عند تجربته الأخيرة التي أطلقها في معرضه الشخصي “خفاء وتجلّ” في غاليري “الرواق” بعدلية المنامة في الخامس من أبريل الجاري والذي سيستمر حتى الخامس من مايو القادم.

قدّم عنان 25 لوحة من أحجام مختلفة، اشتغل على تكوينها كلها من مواد متنوعة على ورق الكانفاس، لقد أخذت هذه التجربة أكثر من عام وعنان يفكر في ملامحها الوجودية قبل الفنية والبصرية، أما الناحية التقنية فلم يختلف فيها عن السابق، ولكنه أضاف إليها بعض التطوير لتظهر جلية بهذه الصورة.

يقول أحمد عن تجربة “خفاء وتجل” “يحاول كل منا أن يخفي عيوبه، أو ما يحرمه عليه القانون أو الشرع أو العادات والتقاليد، ويظهر ما هو مرغوب ومحبوب في المجتمع، فنرى ظاهره جميلا أو طيبا أو حلوا مع علمنا أن كلا له عيوبه ومساوئه، وأحيانا نحن نخفي ما هو جميل ونظهر ما هو قبيح، وأحيانا نفعل ذلك لأن الجمال والقبح شيئان نسبيان، وأحيانا نتناقض فنخفي شيئا لكي نبدي أشياء من تحته، لكي نجذب الانتباه تماما، كما نفعل البعض من الخفاء والتجلي ليس فقط في المظاهر، بل هو في كل شيء في حياتنا، كالمعاملة والدين والتجارة والسياسة والثقافة والفن”.

هذا القلق العناني الخاص من الخفاء والتجلي بدا واضحا في تجربته الأخيرة، حيث امتدت تكوينات الأجساد للمتلقي بصورة فيها ما فيها من الخفاء بما يكفي لتحويلها إلى عدم مطلق، وفيها ما فيها من الظهور الكافي الذي يجعلها تبدو كشمس.

أحمد عنان: المرأة هي الوطن والأرض والحياة والحب، كما أنها سر محمل بالأسرار، ومصدر الإشاعة والأخبار

ومع ذلك، أراد الفنان لهذه الفضاءات اللونية، والكتل الجسدية الأنثوية المكتنزة أن تكون أكثر انحيازية للفن بمعزل عن دلالاته وتأويلاته البصرية، فهو يرى الخفاء والتجلي في المرأة الملهمة واللعوبة وفق معاييره الفنية الخاصة، حين يتأمل ويرصد ثم يرسم ما يراه هو دون سواه.

وعن ذلك يصرح عنان لـ”العرب” قائلا “المرأة هي الثيمة في تجربتي السابقة، منذ وقت طويل، فالمرأة بالنسبة لي رمز غني في معانيه، كما اتخذها الفنانون من قرون قبل الميلاد مثالا للخصب وآلهة للجمال والكمال (فينوس). والمرأة هي الوطن والأرض والحياة والحب، كما أنها سر محمل بالأسرار، ومصدر الإشاعة والأخبار، واشتغال بالذات الإنسانية الأكثر اغترابا، ولكني أحاول أن أظهرها بأسلوبي (امرأة عربية مكتنزة) قصيرة أحيانا وأحيانا بعباءتها العربية ولطافة أطرافها”.

مقص الرقيب العربي حاد جدا، فلا مجال للفنانين العرب -الخليجيين على وجه الخصوص- تقديم تجارب تخص جسد المرأة العارية، أو تجارب “الإيروتيك”، لكن عنان في هذه التجربة تغلب على الرقيب، فموّه أبوابه بالكثير من المواربة حتى يمرر مشروعه الفني بحرفية. وفي سؤال لـ”العرب” عن كيف استطاع تجاوز عيون الرقيب السطحية ليمرر مشروعه بخفّة في البحرين، يجيب فناننا قائلا “أظهر المرأة متجلية ومكشوفة في الشكل والحركة واللون والانحناءات الجسدية، ولكنها تختفي في الظلمة والعتمة المحيطة بها لتعميق لغزها المكنون، وهذا ما أعنيه باختيار العنوان (خفاء وتجل)”.

ويختم موضحا “لقد اشتغلت بالتمويه بطرق مختلفة، تعمدته في الفكرة، ولكن أيضا في تقنية تنفيذ العمل الفني، فاشتغلت بأدوات دون الفرشاة، تاركا حدود الشكل مفتوحة ومبهمة دون خط أو تحديد صريح، جاعلا المتلقي يرسم الشكل حسب منظوره، فقمت بتقشير العمل بالسكين وأضفت مواد مختلفة كالمعاجين وبناء طبقات متراكمة من الألوان، لتعطي إحساسا بالخشونة والقسوة، لأبيّن نقيض المرأة في نعومة أطرافها وجمال تفاصيلها”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر