الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

شجرة بودريار

بدا العالم الذي أحيا فيه، هذا العالم الرماديّ والمتوتر وكأنه جدار مرسوم عن صورة غير موجودة في الأساس، هو جدار الظاهر/ الوهميّ الذي يحكم العالم والذي تكلم عنه بودريار.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(17)]

صادف أن مررت في بداية شهر أبريل بالقرب من هيكل بيت جميل، وعتيق ومهجور في وسط شارع مُكتظ بالمباني الجديدة وبزحمة السير الخانقة، أمام هذا المنزل وُضعت مستوعبات فاضت منها النفايات فشكلت مشهدا مألوفا في مدينة كبيروت تثابر على جمع التناقضات.

هناك، في الفناء الضيق للبيت المهجور، شاهدت شجرة متوسطة الطول ورائعة الجمال لم تنبت فيها بعد أيّ ورقة خضراء، ولكنها كانت مُرصعة بزهور مُنمنمة وبيضاء تقارب الصفرة ويفوح منها عطر أثير، كثّف من انتشاره نور شمس العصر.

بدا المشهد الضيق يسبح في ضوء أصفر أصابه البرتقالي بعض الشيء فأضفى عليه سحرا غريبا، وقفت طويلا أمام المشهد، متأثرة بحضور الشجرة وبصمتها العميق الذي احترت حينها في كيفية فهم مغناطيسيته.

بعد مرور أسبوعين، عدت ورأيت ذات المشهد، ولكن بدلا عن الأزهار رأيت الشجرة وقد اكتست بخضرة نضرة ولامعة تعكس وفرة المياه التي استطاعت هذه الشجرة أن تستجلبها لذاتها من تحت سطح الشارع المرصوف بالزفت، والقلق اليومي.

لا أدري لماذا شعرت بأن الشجرة قد تعرّفت عليّ وقابلتني بابتسامة رضيّة تقول “أدير فصولي غير مبالية بما ترينه من حولي”.

بالرغم من مقابلتي الثانية للمشهد وشجرته، أدركت أنني مازلت أجهل السبب الرئيسي الذي جعل منهما مشهدين شديدي الغرابة والصدق، فهما مشهدان يحفران بعيدا في النفس.

كان عليّ أن أرى مشهدا آخر بعد أقل من أسبوع، لأفهم حقيقة المشهدين الأولين، حدث ذلك عندما مررت في سيارة، تسير ببطء بسبب زحمة السير، بالقرب من ساحة صغيرة خارج بيروت نبتت فيها منازل قديمة ومهجورة، تخللتها أشجار ميموزا اكتست شبه كليّ بصفرة ساحقة. كان هذا المشهد، كالمشهدين الأولين في قلب المدينة، يغوص بضوء العصر الذي له حضور عميق وشبه ماديّ يكاد أن يُلمس باليد، كان من الصعب تبيان لون الأشجار وجذوعها الغليظة من الضوء المنتشر.

بعد بضع دقائق حدث أمر غريب وعادي في الآن ذاته، بدأ المطر ينهمر، لكن لم تغب أشعة الشمس البرتقالية، سمعت صوت الرعد ورأيت لمعان البرق، لكن لم تتوقف زغردة العصافير، وإذا بالأزهار تتخالط مع حبيبات المطر لتنتج عطرا أعرفه جيدا، هو عطر الربيع الشامل وقد تجلى بأنقى وأولى صوره. أما البيوت القديمة والمهجورة فقد اصطبغت بصفرة ذهبية، جعلتها تبدو وكأنها سراب “حقيقي”.

لأول وهلة وجدت نفسي وكأنني أمام لوحة تجريدية متحركة، ولكن سرعان ما أحالني هذا المشهد إلى عدد من صور فوتوغرافية التقطها جان بودريار، خاصة تلك المشبعة باللون الأصفر، ومنها ما يظهر أماكن مهجورة.

صور تعكس بعض أفكاره الفلسفية التي وضعها في كتاب “الفوتوغرافيا”، أو “كتابات الضوء”. وهي امتداد لقناعته الأساسية بأن هذا العالم الذي نعيش فيه ما هو إلاّ وهم خادع وقد أخذ هيئة “حقيقة”.

بدا العالم الذي أحيا فيه، هذا العالم الرماديّ والمتوتر وكأنه جدار مرسوم عن صورة غير موجودة في الأساس، هو جدار الظاهر/ الوهميّ الذي يحكم العالم والذي تكلم عنه بودريار.

جدار تصدّع للحظات فحدثت فيه شقوق مكنتني من رؤية ما خلفه، وما خلفه هو الحقل الذهبي المرتعش بالضوء، الضوء عينه الذي امتصني إليه في المشهدين السابقين لمشهد حقل الميموزا.

قد لا يعتقد بودريار بوجود أو جمالية حقيقة “أصلية” ما خلف العالم الوهمي والخادع، ولكن هذا ما خلت أنني رأيته في المشهد الوامض على دفعات، ربما لأنني من الذين يعتقدون بنورانية الأصل والمنبع.

مشهد “حقل الضوء” شبيه إلى حدّ كبير ببعض صور بودريار التي اعتمدت على النور الطبيعي لزعزعة رؤيتنا لهذا العالم الذي نحيا فيه.

لو التقطت صورة لما شاهدت، لكانت تشبه إحدى صوره التي لم يستخدم فيها أي تعديلات ديجيتالية، وحيث يبدو المشهد المصور مشبّعا بسوريالية وكأنه قادم من عالم آخر، لأنه بالفعل يشي ببعض حقائق عالم آخر مخالف لهذا الخادع الذي نعيش فيه، عالم آخر يسقيه الضوء، ويسكنه اللون.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر