الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

يحيى سلام المنذري: هذا الكم الهائل من الروايات مثير القلق

  • عوالم السرد القصصي القصير تحتاج إلى الكثير من التأمل الحقيقي في كيفية اختزال اللحظة الكونية في مشهد واحد مكثّف تنطق به بأفواه كثيرة. وقليلون هم القاصون الجيدون في هذا النمط من القص. وقد قدم المشهد القصصي العماني مجموعة أسماء مهمة على مستوى القصة القصيرة، وواحد من هذه الأسماء هو ضيفنا يحيى سلام المنذري الذي التقته “العرب” في حديث حول تجربته وحول بعض القضايا الثقافية والفكرية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(15)]

أتجنب الوقوع في مصيدة المألوف

منذ بواكير مجموعته القصصية الأولى “نافذتان لذلك البحر” عام 1993، مرورا بمجموعاته التي تلتها: “رماد اللوحة” 1999، و”بيت وحيد في الصحراء” 2003، و”الطيور الزجاجية” 2011، وأخيرا “حليب التفاح” الصادر هذا العام عن مؤسسة الانتشار ببيروت والقاص العماني يحيى سلام المنذري، لا يركن لهدوء المحاربين، يريد أن يقرأ كثيرا، ولديه طموح بالاستمرار في مشروعه في كتابة القصة القصيرة، ويعمل حاليا على استكمال مجموعة قصص يأمل أن ترى النور حينما يقتنع بنشرها.

مصيدة المألوف

في بداية حوارنا مع المنذري توقفنا عند مجموعته الأخيرة “حليب التفاح” ليحدثنا عنها قائلا “قصص الكتاب متنوعة، تربطها الأسئلة وهي فيما أعتقد الثيمة الرئيسية بجانب ثيمات أخرى سيكتشفها القارئ. وهذه الأسئلة هي التي تطرحها حياة البشر على هذه الأرض بأحداثها وكائناتها وعوالمها الموغلة في الغموض، وقد تكون هناك إجابات مقنعة، وقد تكون غير مقنعة، وقد لا تكون هناك أي إجابة تطفئ جوع السائل، وتجد ذلك واضحا حتى في عناوين بعض القصص التي جاءت على شكل أسئلة. والقارئ من خلال هذه النصوص بإمكانه البحث عن إجابات ووضع التأويلات وصياغة الأسئلة”.

يتابع المنذري “أتذكر بأنني وبعد أن أنهيت المسودة الأولى من الكتاب وقرأتها مجددا لاحظت علامات الاستفهام وكأنها تتقافز بكثرة بين السطور، فأحصيتها عن طريق الحاسوب واندهشت بالرقم الذي حصلت عليه، حيث كان العدد في ما أتذكر يتجاوز 260 علامة استفهام. وسيلاحظ القارئ أيضا وجود التجريب في طرح فكرة القصص، وفي أسلوب كتابة بعضها، وهناك عناية خاصة أتمنى أن أكون وفقت فيها وتكمن في طرح الحكاية بشكل مختلف، فهي حكاية حُقنت بالخيال واستلت من واقع معجون أصلا بالفنتازيا والغرابة”.

نواجه في بعض قصص “حليب التفاح” حوارا عدميا يذهب بنا ناحية صمويل بيكت “في انتظار جودو”، كما هو الحال في قصة “لماذا لا تقرأ القصة من نهايتها؟”. كما نواجه الأمر نفسه في قصة أخرى مثل “ما هي الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟”، حيث الواقع السردي المتخيّل المفتوح على الاحتمالات والتأويل. وفي منطقة أخرى من المجموعة نقف على الحالة الساخرة المرتدية للباس الجدية في مفارقاتها للواقع الاجتماعي والاقتصادي المخيف.

المجاز ركن أساسي من أركان فن كتابة القصة لا يمكن الاستغناء عنه، يقود النص إلى مساحة مفتوحة

عن ذلك يعلّق ضيفنا “لدي حذر لا بأس به تجاه سقوط أحداث القصص وشخوصها في بئر الإحباط والسوداوية، أحاول بقدر الإمكان إشعال ضوء ساطع أو خفيف حول مشاهد ومواقف مريرة ومبهجة وغامضة موجودة في الواقع، أليست حياة الإنسان مزيجا من كل ذلك؟ أليس هذا العالم الذي نعيش فيه كالمسرح كما قال شكسبير؟ فالناس تؤدي أدوارها في كل الظروف سواء كانت قاسية أو سعيدة. وعندها لا بد من استدعاء الأحلام والخيال للمساعدة في إشعال هذا الضوء، وإبراز ما يمكن إبرازه، بطرق مختلفة يحركها الفن بأدواته الفعالة”.

من القصة إلى الرواية

في عدة قصص من المجموعة (الطاحن الأول، سم الكاميرا، حليب التفاح) اشتغل المنذري على المجاز الذي يقترب للصورة الشعرية، الأمر الذي جعلنا نسأله عن مدى شجاعته في التعبير عن نفسه وعن أسئلته وقلقه أم أنه التجأ إلى المجاز حتى يفلت من “اللقمة السائغة” في فم الرقيب الاجتماعي والسياسي والديني؟

يجيب ضيفنا “أزعم هنا بأنني بقدر الإمكان أوظف الفن في الكتابة، والحكم على نجاحي هو القراء والنقاد، والاشتغال على المجاز هو بسبب الفن في الكتابة، إلى جانب الهروب من فخاخ السرد المباشر وتجنب الوقوع في مصيدة المألوف، والعمل أيضا على محاولة سحب القارئ ليكون شريكا في النص، ليفكر، ويضع تأويلاته. لدي محاولات للابتعاد عن كتابة النصوص السهلة والمباشرة منذ مجموعتي القصصية الأولى ‘نافذتان لذلك البحر’، وتبني كتابة نصوص جديدة وبأفكار جديدة بقدر الإمكان، وطبعا القراء والنقاد هم من يستطيع تقييم تجاربي في كتابة القصة. لكن يبقى المجاز ركنا أساسيا من أركان فن كتابة القصة لا يمكن الاستغناء عنه، ويقود أحيانا النص إلى مساحة مفتوحة من التفاسير المختلفة حسب وجهة نظر وثقافة وفكر القارئ، وهذا لا يمنع بطبيعة الحال من الوقوع في براثن أسنان فم الرقيب، فكم من النصوص الرمزية التهمها فم الرقيب ومزقها حسب رؤيته”.

يمتلك المنذري قدرة سردية هائلة على خلق الشخوص المتعددة بتفصيلاتها النفسية والزمنية في فضاء النص القصصي الطويل. ولديه أمنية في كتابة الرواية لكنه لا يرغب في السعي إليها بقوة. يقول “من وجهة نظري، الانتقال من كتابة القصة القصيرة إلى كتابة الرواية أصبح، إن صح التعبير، مثل الموضة أو التقليعة، وأنا لا أريد أن أقود نفسي إلى ذلك، وهذه الظاهرة أي كتابة الرواية نتجت بسبب سيطرة الرواية كفن سردي على الأنواع الأخرى، وهذا بسبب وجود الجوائز الكبرى التي جعلت شهية الكتاب وغير الكتاب للتسابق على الفوز بها، فهذه الجوائز فيها مغريات كثيرة غير الإغراء المادي كالشهرة والترجمات وربما الانتشار، ومن حق الكاتب أن يحلم بذلك”.

هناك فرق بين أن يكون هدف الكتابة الجوائز والشهرة وبين الهدف النبيل والصادق في الكتابة

يتابع “لكن في خضم كل ذلك فالرواية وإن فازت بجائزة وكانت دون المستوى المطلوب فستختفي مع مرور الزمن، وفي المقابل فإن الرواية العميقة ستبقى وتنتشر حتى وإن لم تفز، وهناك فرق بين أن يكون هدف الكتابة الجوائز والشهرة وبين الهدف النبيل والصادق في الكتابة، وهذا أيضا لا يمنع من أن يكون هدف الرواية نبيلا وتفوز.

وأيضا ليس عيبا أن يكتب الجميع فهذه حرية مكفولة لمن يريد كتابة الرواية أو أي من أنواع الأدب الأخرى، ولكن أيضا وجود هذا الكم الهائل سنويا من نشر الروايات يثير القلق، فكم رواية ستكون متميزة؟ وكم رواية ستأتي بالجديد؟ وكما نعرف جميعا بأن فن القصة القصيرة مستقل بذاته ويختلف عن فن كتابة الرواية، وطبعا يشتركان في بعض العناصر”.

في جانب آخر يرى المنذري أن الأعمال القصصية في عمان ظلت حتى وقت قريب هي المسيطرة من حيث الكم والنوع، حتى أنها تفوقت على الشعر. يقول “الملاحظ أن الأعمال الروائية بدأت تدريجيا تسيطر على المشهد العماني، وخاصة بعد تحول بعض كتاب القصة القصيرة إلى كتابة الرواية، رغم أن بعضهم احتفظ بكتابة الفنين معا، والبعض الآخر يبدو أن لديه النية في هجر كتابة القصة القصيرة. وكما يحصل في أي بلد فهناك إصدارات قصصية متميزة وهناك متوسطة وهناك الضعيفة. وبعض الإصدارات من ناحية الجودة تتفاوت لدى كتابها فتجد كتابا متميزا وفي السنة التي تليها تجد انحدارا في الجودة، وربما يرجع هذا إلى الاستعجال في النشر وعدم مراجعة وتقييم الإصدار السابق ومحاولة تجاوزه والتفوق عليه. وبالنسبة إلى الجيل الجديد هناك كتاب برزوا على الساحة في كتابة القصة القصيرة، وكتاباتهم تنبئ عن مواهب ملفتة إذا ما اجتهدوا في التميز وعدم الوقوع في مصائد الاستنساخ والتكرار، كما عليهم التركيز في القراءة أكثر من الكتابة، وهذه نصائح دائما أقدمها وأكررها لنفسي قبل أي شخص آخر”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر