الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الأيام الخوالي بين السعودية وأميركا ذهبت إلى غير رجعة

الرئيس الأميركي يفخر بكونه لم يتصرف مباشرة ولم يأمر بالضربات العسكرية للنظام السوري بعد تجاوزه الخطوط الحمراء التي وضعها هو نفسه.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/04/24، العدد: 10255، ص(6)]

بعد ثلاثة أشهر من احتلال بغداد عام 2003 تصاعد الحديث عن وجود تورّط للسعودية في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وذاك لدفع المملكة خارج اللعبة العراقية، وتقديم بغداد إلى إيران وحدها. حث الوزير الأمير سعود الفيصل حينها الرئيس جورج بوش لكشف ما ورد في 28 صفحة سرية بتقرير مخابراتي من 800 صفحة حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وذلك لتتمكن المملكة من الدفاع عن نفسها لكن الرئيس بوش رفض الطلب السعودي.

مسؤولون في الكونغرس أشاروا إلى حالة عمر البيومي، موظف في الطيران المدني السعودي الحكومي، كمثال على إمكانية الدعم السعودي للرجال الذين ضربوا الطائرات بأبراج المركز التجاري العالمي في نيويورك والبنتاغون، مع خطف وتفجير طائرة أخرى في بنسيلفانيا.

بحسب التحقيقات فإن البيومي ساعد في تحركات الخاطفين، نواف الحزمي وخالد المهظار، في شقة بسانتييغو. في الوقت الذي كان فيه البيومي ناشطا في الجمعيات الإسلامية هناك. إلا أنه منذ ذلك الحين قد عاد إلى السعودية.

الأمير سعود الفيصل قال إن البيومي قد تم التحقيق معه من قبل المحققين الأميركان والبريطانيين والسعوديين ولم تثبت عليه أيّ تهمة. كانت الإشارة الأولى في الإعلام الأميركي لذلك التقرير بعد احتلال العراق مباشرة.

وذكر الأمير سعود الفيصل حينها أنه إذا كان التقرير سريا فلماذا تتحدثون عنه في الإعلام؟ ليت الأمير سعود الفيصل ما زال بيننا ليرى كيف أن الأمر قد انحدر إلى محاكمة المملكة بعد كل ما قدّته في مكافحة الإرهاب! وأن التقرير السري المزعوم يتضمن اتهام أميرين سعوديين بدعم الهجمات على مركز التجارة العالمي من خزينة السعودية وليس من مالهما الخاص.

وبعد احتلال تنظيم الدولة الاسلامية لمدينة الموصل بشهر واحد ظهرت في الأندبندنت مقالة تتهم السعودية بمساعدة داعش وتأجيج الحرب المذهبية في العراق وسوريا، واستندت إلى حوار شخصي قديم دار قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001 بين الأمير بندر بن سلطان ورئيس المخابرات البريطانية حينها ريتشارد ديرلوف، حيث ادّعى الأخير أن الأمير قال “لن يطول الزمن في الشرق الأوسط، حتى يقال ‘كان الله في عون الشيعة’ لأن أكثر من مليار سني قد فقدوا صبرهم معهم”.

الوادع الأخير

ويسترسل التقرير في مقال خيالي عن دعم السعودية للتطرف خارج البلاد ومحاربته محليا، مدعيا أن الشيعة قد أصبحوا بموقع الضحية في العراق، شأنهم في ذلك شأن اليهود تحت الحكم النازي عام 1940.

هذه المقالات التي تقلب الحقائق، وتزرع الفتنة بين المسلمين، وتسخر من العقول، كما لو أن هناك 100 مليون شيعي في خطر حقيقي من هولوكوست تاريخي يرتكبه مليار مسلم سني. لا يعرف المثقف العربي ماذا يقول أمام مقولات لا أساس لها من الصحة مثل “أن السعودية قد خلقت فرانكشتين داعشي فقدت السيطرة عليه وارتد عليها”.

إن الذي خلق داعش حقا هو الولايات المتحدة بإصرارها على التقسيم الطائفي للعراقيين، وتشجيع المذابح الأهلية وفرق الموت، في طول البلاد وعرضها، وليس السعودية التي تكافح للحفاظ على أمنها وسط منطقة أصبحت كالبحر الهائج حيث الخيانات والجنون والجرائم بحق الأبرياء. من جرائم “وحش القرن” بشار الأسد إلى جرائم الميليشيات العراقية الرهيبة بحق السنة إلى داعش.

السعودية متهمة بالتخلّي عن السنة في محنتهم وعدم التدخل لحمايتهم، فيما إيران تصول وتجول من بغداد إلى دمشق إلى بيروت.

في الحقيقة لم أستطع إكمال الحوار الذي أجراه مؤلف كتاب “عقيدة أوباما” جيفري كولدبيرك مع المسؤول السابق للشرق الأوسط في مجلس الأمن فلب كوردن في مجلة ذي أتلانتك الشهرية الصادرة بتاريخ 20/4/2016. الحوار يبدأ بمقدمة تتحدث عن فشل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فلا التدخل المباشر ينفع كما رأينا في العراق، ولا التدخل الجزئي ينفع كما في ليبيا، ولا عدم التدخل يجدي كما في سوريا. هذا كلام غبي جدا لمستشارين ليس لهم أدنى خبرة بالمنطقة التي يتعاملون معها.

فالمنطقة أساسا هي تركة من دولة واحدة هي الإمبراطورية العثمانية، وبسقوط الدولة العثمانية تشكلت هذه الدول بمساعدة الأوروبيين. المنطقة قائمة على توازن حساس، فلا يمكنك طرد الأقلية السنية من السلطة في بغداد، والإبقاء على الأقلية الشيعية في سوريا.

الكسر هنا يُحدث حالة من عدم التوازن يستدعي مباشرة الكسر هناك أيضا، حتى يمكنك أن تقول إن الأغلبية الشيعية تحكم في العراق، ولكن الأغلبية السنية أيضا صارت تحكم في سوريا. وأيضا يمكنك أن تقول إن استخدام وحيازة أسلحة الدمار الشامل في العراق تسبب بسقوط البعث العراقي في بغداد، وكذلك استخدام وحيازة تلك الأسلحة تسبب بسقوط البعث السوري في دمشق.

لا يمكنك منح أكراد العراق شبه دولة، دون منح الحق ذاته لأكراد سوريا وتركيا وإيران، إلا إذا كان صاحب القرار في البيت الأبيض يتعمد خلق التوترات والقلق والحروب الأهلية. لا يمكن للولايات المتحدة منح إيران فرصة لامتلاك السلاح النووي، والوقوف بوجه طموحات السعودية لامتلاك التقنية النووية ذاتها.

كما لا يمكن للولايات المتحدة إزعاج حلفائها بسياسات غير متوازنة، فمرة عقيدة بوش، ومرة عقيدة أوباما، ومرة عقيدة ترامب. هذا غير معقول بالنسبة إلى دول عريقة لها استثمارات بمئات المليارات من الدولارات مع الولايات المتحدة كالسعودية. ثم كيف يثق بكم حلفاؤكم في المستقبل إذا كان البيت الأبيض كل يوم يريد السير بطريق مختلفة. الدول العربية لها شعوبها التي تراقب وتنتقد حكوماتها أيضا.

المسلمون يرون بأم أعينهم الحكومة الهندية تتقدم بدعوى قضائية لاستعادة ماسة كوهينو درة تاج الملكة إليزابيث لأنهم يريدون إعادة كل ما يرمز للعذاب الاستعماري في الهند، بينما المواطن السعودي يقلق على مصير أكثر من 750 مليار دولار كوديعة واستثمار للأجيال السعودية القادمة في الولايات المتحدة

الولايات المتحدة تتصرف كشريك لا يفكّر سوى بنفسه ولا يعطي أيّ أهمية لمصالح شركائه، وهذا طبعا سيؤدي إلى تخوّفات وتحوّطات عند هذه الدول في المستقبل من جدوى السير مع شريك أناني كهذا.

ثم كيف لرئيس دولة عظمى مثل أوباما أن يخرج عام 2013 بخطاب يقول إن الخط الأحمر أمام الرئيس الأسد هو استخدام الأسلحة الكيميائية، ولم يتردد الأسد بالرد واستخدام غاز السارين في الغوطة وقتل 1300 من المدنيين. لم يكن هناك رد من الرئيس الأميركي سوى تحويل الأمر إلى الكونغرس واللجوء إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليف الأسد للتوسط في عملية التخلص من أسلحة الدمار الشامل السورية.

الرئيس الأميركي أوباما يفخر بكونه لم يتصرف مباشرة ولم يأمر بالضربات العسكرية للنظام السوري بعد تجاوزه الخطوط الحمراء التي وضعها هو نفسه. يقول إنه قاوم ذلك الإغراء في لحظة تاريخية ومنع تورط أميركا في المستنقع السوري.

هذا السلوك هو الذي فجّر التطرف السني وداعش. العالم كله شاهد كيف يكون رد الولايات المتحدة حين يتعلق الأمر بدكتاتور سني كصدام حسين، وكيف يكون ردها حين يتعلق الأمر بدكتاتور شيعي من الأقليات كبشار الأسد. ضع نفسك مكان السعودية ماذا ستقول لشعبها السني في غالبيته؟ سياسة أوباما لن تؤدي إلى إحراج حلفائها فقط، بل ستؤدي إلى إحراج الولايات المتحدة نفسها وانتشار التطرف والإرهاب في العالم.

المسلمون يرون بأمّ أعينهم الحكومة الهندية تتقدم بدعوى قضائية لاستعادة ماسة كوهينو درة تاج الملكة إليزابيث لأنهم يريدون إعادة كل ما يرمز للعذاب الاستعماري في الهند، بينما المواطن السعودي يقلق على مصير أكثر من 750 مليار دولار كوديعة واستثمار للأجيال السعودية القادمة في الولايات المتحدة.

هناك خمس حضارات في هذه الدنيا، الغرب والهند واليابان والصين والإسلام. اليابان أطاحت ببريطانيا اقتصاديا وتفوقت عليها، وهناك مخاوف من أن تفعل الصين بالولايات المتحدة الشيء ذاته والتسبب بأفول الإمبراطورية غير المُعلنة الأميركية. والهند تشهد نهضة علمية ونوعا من الثقة. بالمقابل الحضارة المتبقية والمغدورة هي الإسلام.

إن رجال الإسلام يشعرون بمدى الغضب حين تحاول الولايات المتحدة التفرغ للصين من خلال خلق حرب باردة بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط، لضمان عدم انبثاق نهضة ووعي حقيقيين عند المسلمين. إن الحضارة العربية الإسلامية لا تحتمل هذا النوع من التمزق الطائفي الخبيث.

وأفضل ما قيل في هذا الشأن هو تصريح الأمير تركي الفيصل لشبكة سي إن إن “أميركا تغيرت بمقدار ما تغيرنا نحن هنا. وهناك جانب إيجابي في تصرفات الرئيس أوباما وتصريحاته هو أنها أيقظت الجميع على أن هناك تغييرا في أميركا وأن علينا أن نتعامل مع هذا التغيير”.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر