السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

'النواة الصلبة: هنري' شخصية نصف روبوتية تبحر في المجهول

  • ابتداء من ماض مجهول ينساب الزمن ببطء، وسنكون إزاء شخصية غرائبية تماما، في مرحلة الطفولة، تتحطم البعض من ضحكاتها أثناء ارتطام جهاز إلكتروني بالجدار وتحطمه، يحصل ذلك في المشاهد الأولى من فيلم “النواة الصلبة: هنري” للمخرج ليا نيشولر.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/04/25، العدد: 10256، ص(16)]

تداخل بين الحقيقي والإيهامي

يذهب بنا فيلم “النواة الصلبة: هنري” للمخرج ليا نيشولر (إنتاج 2016)، إلى قصة إشكالية مركبة ستولد في حقبة زمنية تائهة وغير محددة سوى أن كائنا سيولد في تلك اللحظة وسيخرج من حوض مائي، ولادة غريبة لكائن سيخوض غمار عالم يعج بالغرباء والمرتزقة، وعليه أن يحتوي هذا كله ببسالة، ويخرج منه منتصرا في كل مرة، غير مكترث لما جرى في زمن ماض، فليس عليه سوى ترقب المستقبل والخوض فيه.

الغرائبية تتجلى من البداية، إذ يمثل هنري ثلاث شخصيات (الممثل سيرجي فيلاييف والممثل أندريه والممثل ليا نيشولر، وهو المخرج نفسه)، ينهض هنري من رقاده، من حوض مائي، فاقدا يدا وساقا يتم تركيبهما سبرانيا منذ المشاهد الأولى، وخلال ذلك يجري تنشيط ذاكرته الغائبة ومنحه صوتا مميزا ومساعدته، لكي ينطلق في مهماته صحبة زوجته العالمة إيستل (الممثلة هالي بينيت) التي تشرف على إعادة تأهيله لحياته الجديدة بعدما كان يعيش في عالم افتراضي آخر.

المرتزقة سيلاحقون هنري أينما حلّ، فعنده وفي داخل جسمه أسرار، هنالك مافيات تهجين البشر تسعى للوصول إليها، لكنه سيعاني هو الآخر وهو مطارد من بدء العد التنازلي لفقدان اليد والساق المركبتين، فعلّهما بسبب انتهاء عمرهما الافتراضي ويجب شحنهما مجددا، وما على هنري سوى البحث عن حل لإنقاذ نفسه.

لن يهدأ هنري في فيلم يعجّ بمشاهد الحركة، يعمد المخرج إلى استخدام الكاميرا المحمولة على الكتف في أغلب المشاهد الفيلمية، ثم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى استخدام صيغة الشخص الثالث بكثافة، فضلا عن أن المشاهد تقع في غالبيتها من وجهة نظر هنري نفسه دون غيره، وترافقه تلك الكاميرا المهتزة، فيما هو يقوم بمغامراته.

سرد فيلمي توزّع على وحدات درامية قامت على فكرة الصراع ما بين هنري وخصومه، ليس مهما أن تتدارك تلك الشخصيات وأن تتعرف عليها، بقدر ما تهتم بتنقل هنري من مكان إلى آخر، وهو يخوض مغامراته، ثم وهو يستعيد ذاكرته، حتى يتداخل الحقيقي بالإيهامي.

هذا السرد الفيلمي القائم على أساس وجود شخصية افتراضية تستكشف ما حولها، مسترجعة أماكن وذكريات وأشخاصا، سيتحول لاحقا إلى شكل من المطاردة والأحداث البوليسية، انتقال هنري إلى مطار موسكو لتلاحقه المرتزقة مجددا، انتقالات مكانية للبحث عن حقيقة وجوده تلقي علينا وعلى الشخصية تشويشا آخر في ذلك الضرب الكثيف من الخيال العلمي المجرد الذي انغمرت الشخصيات في تتابع أحداثه.

جرأة غير اعتيادية يقدم عليها المخرج، وهو يقدم خليطا يشبه في بعض الأحيان مسارات تيار الوعي والعودة إلى العقل اللاواعي

يمكن في هذا المجال الخوض في أزمنة متداخلة، لسنا معنيين باللحظة الراهنة التي عاد فيها هنري إلى الحياة، بقدر السؤال عن من هو؟ وما هو ماضيه؟ وإلى أين يمضي في ذلك التدفق الزمني الكثيف؟ لا سيما وهو متحير أمام جيمي (الممثل شارلتو كوبلي) صانع أجزائه الروبوتية، وحيث توجد نسخ عدة من جيمي، في مقابل تقمص هنري الشخصيات الموازية.

هي معالجة فيلمية فيها الكثير من الاضطراب من خلال شخصية هنري التي تتنقل في مغامراتها مستبطنة ثلاث شخصيات، وكل منها له معها قصة، هو تشتت ذهني وتحولات متلاحقة في القصة الدرامية تترافق مع اكتشاف هنري أماكن أخرى جديدة، حتى أن المشاهد لا يستطيع الإحاطة بالشخصية الرئيسية، فهي تتشظى مع استمرار الدراما الفيلمية، وتستبطن شخصية أخرى في سياق مغامراتها وبحثها عن ذاتها وسط دوامة من الصراعات والشخصيات الحقيقية والافتراضية.

خارقية هنري بعد موت صاحبه جيمي هي مرحلة أخرى في مساره، لا سيما وهو يجهز على خصومه في مشاهد قطع الأنفاس القائمة على قتال لا ينتهي، إلاّ بانتصار هنري نفسه على ذلك الحشد من المرتزقة الذين يستهدفونه ويريدون القضاء عليه، لكن طاقته الروبوتية ستسعفه في التخلص من شتى المآزق.

لا يبدو في وسط تلك الدراما يسيرا الفصل بين الشخصيات، وأيها رئيسي وأيهما دوره الثانوي، فهي بالإمكان أن تبرز على السطح بوصفها شخصية رئيسية، لأن الأمر مرتبط بهنري أولا وأخيرا، ومن خلاله ستكتشف الشخصيات.

جرأة غير اعتيادية يُقدم عليها المخرج، وهو يقدّم كل هذا الخليط الذي يشبه في بعض الأحيان مسارات تيار الوعي والعودة إلى العقل اللاواعي والارتكاز عليه بشكل شبه كلي في سبر غور الأحداث، هذا النوع من الجرأة الاستثنائية في تقديم فيلم خيال علمي من هذا النوع، قد لا يشجع الكثيرين على المتابعة بسبب ذلك التشظي في الشخصيات والأماكن والأحداث، ولكنه من الجهة الأخرى لا شك أنه بناء فيلمي استثنائي يستحق أن يدرس بعناية، بالأخص من ناحية الشخصيات والسرد والبناء المكاني.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر