الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

ما الذي حدث للسعوديين قبل إلغاء صلاحيات الهيئة

فصل الدين عن السياسة يجب ألا ينحصر في البسطاء والفقراء فقط، بل على السلطة نفسها التي تدعي فصل الدين عن السياسة، وعدم اللجوء إلى الدين لأغراض سياسية.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/04/25، العدد: 10256، ص(8)]

في 11 أبريل الجاري حدث أمر في غاية الأهمية، فقد صدر قرار من مجلس الوزراء السعودي يلغي صلاحيات “المطاوعة” ولم يعد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسبة) أيّ صلاحيات قانونية، لقد تم تقليم أظافرهم تماما. صار يتحتم عليهم إبلاغ الشرطة إذا شاهدوا أيّ مخالفة للقانون.

يقال بأن الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة التي ينوي الإقدام عليها الرجل القوي في البلاد الأمير محمد بن سلمان تبعث بطبيعتها على نوع من الإصلاح الاجتماعي والسياسي. بعد ظهور داعش والإسلام السياسي السني صار السعودي يشعر بحالة من الحصار. فأين يذهب الإنسان إذا كانت الهيئة ترغمه على المسجد، والدولة تحذره من التطرّف؟

صعب أن ترغم الإنسان على الصلاة في القرن الحادي والعشرين، وتحذره من الإسلام السياسي في نفس الوقت. لا بدّ من مخرج لهذه الإشكالية، فإما أن تتركه وشأنه كما تفعل مصر والإمارات وغيرهما، أو تقيم دولة ولاية فقيهٍ كإيران مثلا.

الطريف أن إيران تريد أن تقول السعودية تلغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتتحول نحو الانفتاح والعلمانية، بينما الجمهورية الإسلامية تطبق الشريعة. فور صدور قرار مجلس الوزراء السعودي بتقليص صلاحيات الهيئة، بدأ حوالي سبعة آلاف مخبر باللباس المدني بين رجال ونساء، القيام بدوريات في شوارع طهران لمحاربة ما يسمى “المنكر”، خصوصا عدم ارتداء الحجاب حسب الأصول أو مضايقة النساء. وهذا مثال على ما كنا نكتبه سابقا من أن الصراع السياسي له أولوية على القناعات الثقافية في الشرق الأوسط. الجدير بالذكر أن فصل الدين عن السياسة يجب ألا ينحصر في البسطاء والفقراء فقط، بل على السلطة نفسها التي تدّعي فصل الدين عن السياسة، وعدم اللجوء إلى الدين لأغراض سياسية. من المهم أن تكون هناك قناعة فكرية عميقة بهذا التوجه.

الإسلام السياسي يعرّضُ الدولة الحديثة وجوهر المواطنة للخطر.. كما رأينا في حالة آية الله العظمى السيد علي السيستاني. مواطن إيراني هاجر للدراسة في النجف وصار إمام العراقيين والمفاوض الأساسي مع الدول العظمى بمصير البلاد. كذلك حالة آية الله العظمى السيد محمود شاهرودي وهو مواطن عراقي هاجر إلى إيران ليصبح رئيس القضاء الإيراني الأعلى، وفي لجنة تشخيص مصلحة النظام. وربما المثال السني الأوضح لتمزق الوطنية هو تنظيم داعش في العراق.

لكي ينجح التمدين في السعودية نحتاج مثالا، كأن نقول لهم انظروا إلى مصر أو العراق، على الأقل تجربة عربية واحدة ناجحة. حتى مصطفى كمال أتاتورك العلماني تحول إلى رجب طيب أردوغان الإسلامي. طهران الشاه، باريس الشرق، صارت خميني وجمهورية إسلامية. السعودي يريد التغيير لكنه في حالة قلق، لأن بلاده يحكمها أكثر الأنظمة استقرارا في المنطقة، فلقرن كامل عاشوا بسلام على أرضهم، لا حروب ولا تهجير ولا ثورات ولا انقلابات.

السعودية بلاد الحرمين، مهبط الوحي وقبر النبي، وعندهم مكة والكعبة والحجيج والحطيم وزمزم ومنى والركن والمدينة.. ماذا يمكنهم أن يفعلوا؟ إذا كان الإندونيسي والماليزي والأفغاني والهندي مأخوذا بهذه الجاذبية الإسلامية فكيف بالسعودي؟ أرى أن السعوديين كشعب ودولة يقومون بأكثر مما في وسعهم لغيرهم ولأنفسهم لتجنب المشاكل والأزمات. هذا أقصى ما يستطيعون كدولة يعتبرها المسلمون قبلة المسلمين.

تقول باحثة سعودية إن إلغاء صلاحيات الحسبة ليس نتيجة ضغوط خارجية ولا لاسترضاء الجانب الأميركي. ليس في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز على الأقل، الملك القوي المعتد بالهوية العربية الإسلامية والذي بدأ عهده بترك الرئيس باراك أوباما وزوجته في المطار وذهب إلى الصلاة، وفي زيارة أوباما الأخيرة لم يذهب لاستقباله كما فعل مع بقية القادة الخليجيين.

الإصلاحات الأخيرة هي مطلب شعبي سعودي تفرضه قيم العصر وطبيعة الحياة. يجب ألا ننسى بأن عشرة بالمئة من الطلاب الأجانب المبتعثين إلى الولايات المتحدة اليوم هم سعوديون. المجتمع السعودي في حالة تطور ونظام الحسبة القديم لم يعد ممكنا.

ماذا حدث للسعوديين وكيف تغيروا؟ لحسن الحظ أنني اشتريت كتاب الدكتور غسان حامد العمر “ماذا حدث للسعوديين” من معرض الكتاب في أبو ظبي العام الماضي، إلا أنني لم أتمكن من قراءته لأنه يكتب بأسلوب عالم الاجتماع العراقي علي الوردي. وبصراحة لا يعجبني أسلوب الوردي بسبب الإسهاب الممل. معظم كتب الوردي يمكن تلخيصها في مقال واحد، لكنه يُطنب في ضرب الأمثلة والتوضيح حتى يصل إلى 200 صفحة. ولم أفهم السبب حتى قال لي أحد المعلمين الكبار في الثقافة العراقية وهو عامر بدر حسون “الوردي في أحد جوانب شخصيته كان مصلحا اجتماعيا، وكان يبحث عن حلول عملية وليس عن حلول فضلى، كان له برنامج تلفزيوني يعدّه ويقدّمه ويجيب فيه على أسئلة المشاهدين. طريقة مذهلة إذ كان يستطيع أن يحيل مشكلة سيدة تشكو من زوجها أو ضرّتها إلى موضوع اجتماعي وكان يرش الماء البارد على رؤوس المتعصبين”، شعرت بندم على قسوتي بحق هذا الأسلوب الإصلاحي، وأخرجت كتاب غسان حامد العمر المتأثر بالوردي وقرأته فورا.

يقول الدكتور العمر إن هناك أربع هزات ساهمت في صناعة التغيير لدى المواطن السعودي، الأولى جهيمان العتيبي عام 1979، وأحداث 11 سبتمبر 2001، وانهيار سوق الأسهم 2006، وغرق جدة بعد انهيار سد أم الخير، الذي اتضح بأنه سد ركامي وليس سدا بالمعنى الصحيح، وعدم تحمل التصريف الصحي للمدينة، ممّا أدّى إلى انفجار قضايا الفساد في البلاد عام 2011. هذه الهزات أدّت إلى اشتعال جدل كبير في المملكة “وكأننا أزحنا صخرة عن باب كهف ظللنا حبيسيه”.

يقول السعودي غسان حامد العمر أن نقوم بجلد أنفسنا أفضل من أن يجلدها الآخرون. ينتقد الكتاب ما يسميه نظرية السجادة التي تخفي الأوساخ تحتها ولا ترفعها. عندما سئل المستشار محمد سعيد طيب عن فترة أواخر الثمانينات والتسعينات قال عنها “لقد كانت سنوات شديدة العتمة” غابت فيها وسائل الإعلام عن المشهد لعقود، بل مارست دورا عكسيا بإخفاء المشاكل والقول بأن كل شيء على ما يرام. جاء سبتمبر وأخبرنا أن سيداتنا بلا هوية شخصية لأن وجه المرأة عورة! حسنا وجواز السفر؟ تناقض؟ ولغياب الصورة الحقيقية للسيدة انتقلت ملكيات سيدات كُثر إلى ملاك آخرين دون علمهن.

يقول العمر صراحة، إن السعوديين يأتون إلى دبي لأسباب عديدة، أهمها أنهم يرون فيها بلادهم كما كانت يجب أن تكون. ويقول تحتل المملكة المركز الثاني عالميا بمرض السكري وهو ما يهدد حياة 4 ملايين سعودي، والمركز الأول عربيا وخليجيا بمعدلات الطلاق، نسبة السمنة بين السعوديات تصل إلى 60 بالمئة. التحرش الجنسي في بريطانيا 4 بالمئة، بينما في السعودية 16 بالمئة. وينقل عن طالب دكتوراه سعودي في لندن قوله “شكرا للشباب البريطاني لأنهم لم يرموا زوجتي بنظرة ولا برقم ولا كلمة”، ويرى أن التخلص من المدرسين العرب واستبدالهم بسعوديين أدّى إلى هبوط المملكة إلى المستوى العاشر في قائمة الدول العربية الأفضل تعليما، بسبب هبوط في القيم التي تحترم العمل لدى المواطنين.

لم أقرأ كاتبا سعوديا بهذه الجرأة فهو يتساءل “لماذا يزداد التدين وتنحط الأخلاق؟” ويقول لماذا نحرم الاختلاط في العمل بينما الرجل يختلي بالخادمة، وسيدة المنزل تذهب مع السائق الأجنبي. ورغم انتقاده للمحسوبية والرشوة والفساد إلا أنه يعتبر الملك عبدالله بن عبدالعزيز رائد الإصلاحات الجوهرية في البلاد. فقد قال علنا “طبقوا القانون على الأمراء” وفعلا في عام 2013 تمّ تنفيذ الحكم الشرعي بأمير قتل مواطنا، وراحت كلمة “ورى الشمس” إلى غير رجعة، صار هناك تشجيع للمصلحين بدعم من الدولة، مثل برنامج “طاش ما طاش” الذي نجح في جذب ممثلات سعوديات بدلا من الرجال الذين يقومون بدور النساء، وبرنامج أحمد شقيري الثقافي وبرنامج داود الشريان.

كتبت هذه الورقة إلى العراقيين في بلادي لكي ينصفوا الشعب السعودي. من الظلم أن لا نرى في السعوديين سوى الـ15 خاطفا من أصل 19 الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر، ومن الظلم ألا نرى فيهم سوى المتطرفين الذي قادوا الماكنة الإعلامية والحربية للتطرف في المنطقة. هناك أيضا هذه القيادة التي تسعى إلى التعايش العربي، وهناك أيضا هؤلاء المثقفون الذين نذروا أنفسهم وجازفوا بحياتهم لأجل الإصلاح والتغيير. السعودي غسان حامد العمر يهاجم التطرف ويمجد مواطنيه الشيعة في المنطقة الشرقية ويقول كنا نسميهم “النخليين” لعنايتهم بالنخيل وتفانيهم في العمل.

نحن على مسافة ساعات من إصلاحات تخص المرأة السعودية سيتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام. إن البلاد تقوم بكل ما في وسعها وعلينا أن نشجع ونتفاءل كعرب بهذا التوجه القوي نحو الإصلاح. وأختم ورقتي بكلمة من كتاب الدكتور العمر “إن مجتمعا مليئا بالتراكمات والمشاكل العويصة بحاجة لبصيص أمل، لنظرة تفاؤل، لكلمة تشجيع”.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر