الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

رقابة فوق الرقابة

ظهور السلطة الرقابية الجديدة دليل آخر على تردّي مستوى الحريات في المجتمعات العربية، والتي عبرت عنها ظواهر مماثلة تجلت في محاكمة بعض الكتاب وسجنهم بسبب إدعاء من شخص ما.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/04/26، العدد: 10257، ص(15)]

واقعة جديدة تكشف عن حجم التردّي الذي أصبح يواجهه الكاتب العربي على صعيد النشر، وهامش الحريات المتاح أمامه، بعد قيام عمال المطابع برفض طباعة رواية الكاتب الروائي رؤوف مسعد الجديدة. هذه الواقعة ليست هي المرة الأولى التي يتحوّل فيها عمال المطابع إلى جهة رقابية جديدة، تمارس سلطتها على الكاتب العربي، لكن الخطير فيها أنها تجعل الكاتب يحيا تحت رحمة سلطات رقابية متعددة، باتت تمارس دورها من تلقاء ذاتها ودون أن تكون لها أيّ علاقة بمسألة الكتابة والنشر.

المثير للاستغراب في هذه الواقعة أن هذه السلطة الرقابية الجديدة، والتي ليست معنية بقراءة النص وإجازة طباعته، انتدبت نفسها لهذه المهمة باعتبارها حارسة على الأخلاق العامة وقيم المجتمع، وأنها هي المخول بتحديد المحتوى المخل بتلك الأخلاق للكتاب ومنع نشره، وليست أي جهة رقابية أخرى، ما يعني ظهور رقابة على الرقابة هي صاحبة القول الفصل في مسألة المنع من عدمه.

لم يكن يحتاج الكاتب العربي إلى سلطة رقابية جديدة عليه حتى يدرك بؤس واقع الحريات الذي يعيش فيه، ويكتب تحت سقفه الواطئ، بعد أن عانى طويلا من سلطة الرقابة الرسمية، ومحظوراتها الثلاثة، السياسة والدين والجنس وما يمكن للرقيب أن يقوم بتأويله تحت سقف هذه التابوات المحرمة، لكي يمارس عملية الحذف أو المنع.

ظهور السلطة الرقابية الجديدة دليل آخر على تردّي مستوى الحريات في المجتمعات العربية، والتي عبرت عنها ظواهر مماثلة تجلت في محاكمة بعض الكتاب وسجنهم بسبب إدعاء من شخص ما، أو في عملية التصفية التي قامت بها جهات أصولية متطرفة لكتاب تجرّأوا على قول الحقيقة، أو عبر منع مشاركة العشرات من الكتب في معارض الكتب العربية، حتى أصبحت هذه الظواهر جزءا من الواقع الثقافي العربي الراهن.

وهكذا أضحى الكاتب العربي مطاردا بين هذه الجهة الرقابية أو تلك، دون أن يكون هناك قانون يحميه، ويحمي العمل الفكري والإبداعي من تعسف هذه الجهات الرقابية، التي يمكن أن تحاسبه على كلمة أو جملة، تنتزعها من سياقها، أو تقوم بتأويلها كما تشاء لكي تتخذها حجة على منعه أو محاكمته وإدانته بالإساءة إلى الدين أو الأخلاق العامة. صحيح أن القضية تعكس أزمة أخلاق مجتمع، لكن الأصحّ أنها أزمة حريات مستفحلة، عملت دولة الاستبداد العربي على تكريسها، وليست هذه الظواهر الجديدة سوى استطالة لها، عملت هذه السلطة على توظيفها لإشغال الكاتب العربي في معارك جانبية تلهيه عن فسادها وقمعها، وتجعله يبحث عمّا يحميه من سطوة هذه الجماعات الرقابية المتزمّتة عليه.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر